Atwasat

الخال يوسف القويري (2) ..يموت الكُتّاب وتبقى الكتب والأفكار

سالم الكبتي السبت 28 أبريل 2018, 03:50 مساء
سالم الكبتي

تَواصل يوسف القويري بكلماته التي تقاتل وخيوطه الرفيعة وقطرات حبره مع القارئ عبر صحف فزان وطرابلس الغرب و«المساء» ومجلة «الإذاعة»، ثم «الميدان» وكانت في مجملها على وجه العموم قصصًا وخواطر ومقالات تواجه كل دمار لروح الإنسان وتحاول إصلاح ما فسد، وتلك مهمة المثقف الحقيقي في الزمن الصعب والظروف الحالكة.

المثقف الحقيقي في الزمن الصعب
كانت كلماته وأفكاره أصدافًا ولآلئ تختلف عن السائد في تلك الأيام من الخمسينات الماضية وفي وطن هو ليبيا خرج حديثًا من ظلام الحرب وآثارها النفسية والاجتماعية والاقتصادية، وشرع في تلمس خطواته عبر المسالك والدروب الطويلة.. قلة إمكانات وموارد، وندرة متعلمين ومؤسسات ومع ذلك فإن هناك أحلامًا عريضة بامتداد المستقبل وصحفًا وكلمات تنير تلك الدروب والمجاهل.

الفكرة وتناول الموضوعات والقضايا بعيدًا عن التقريرية المملة علامات مهمة في تجربته الأدبية والفكرية، كان يوسف بواسطتها يشيِّـد عالمًا جديدًا يهدم من خلاله عوالم أخرى من الظلام والتأخر ويرفع قيمًا مدهشة محلَّ ما يشد إلى الخلف، فيما اتخذ من اسم الكاتب الليبي وزاوية «شموع» في «الميدان» ساحة له، حيث يربض أيضًا فاضل المسعودي مثقفًا آخر له شأن واعتبار في الحركة الوطنية والفكرية منذ سنوات دراسته في مصر وعودته إلى ليبيا.

وعاصر الخال يوسف بداية «الحقيقة» العام 1964 في بنغازي مع الأخوين محمد ورشاد الهوني، وفي الأساس كان محمد الهوني مؤسس «الحقيقة» اهتم بيوسف اهتمامًا خاصًّا بعد تركه الكتابة في صحيفة «فزان» واحتضنه في مجلة «الإذاعة» الليبية التي كان يدير تحريرها العام 1961 وقد تبع ذلك استقرار يوسف في بنغازي وأقام في شقة متواضعة يقيم بها صديقه رشاد أمام مدرسة «الأمير» وبجوار الديوان الملكي وكانت الشقة بحجرتها الصغيرة وحمامها الوحيد هي السكن ومقر التحرير والعمل والإخراج والسهر ومتابعة المواد والأخبار وإنجاز الطباعة في المطبعة الحكومية عند فم السور في مدخل المدينة الشرقي، ثم بعد انتقالها إلى شارع عمرو بن العاص، وكان يوسف في صحيفة «الحقيقة» مع ابن عمه عبدالله يشكلان نسيجًا لا يختلف كثيرًا في الطرح والمعالجه عبر سطور وحروف دراساتهما ومقالاتهما ويؤسسان مع الآخرين من الكتاب الوطنيين مجتمعًا خاليًا من الأمراض والعقد والأزمات.

عبدالله يواصل البحث عن الكيان والشخصية بعقلانية ورزانة وفهم بعيدًا عن التخبط والمحاكاة والارتجال الأجوف ويكتب رسائل منتحر، ويعلن عن إعداده لمسرحية جديدة عنوانها «العطش»، لكنها لم تصدر حتى الآن ويوسف في مسوداته الأسبوعية التي كانت تستغرق صفحة كاملة ودراساته المعمقة وقصصه يعترض التخلف والركون إلى الدعة ويدعو بقوة إلى تحريك الساكن وقلب المفاهيم الميتة والعبور نحو النور.

هستيريا المال
واحدة من تلك الدراسات المهمة كانت عن «هستيريا المال» وكيف يفعل بالناس ويبدلهم وأخرى عن قضية المرأة واضطهادها عبر التاريخ دراسة وتحليل رائعين نشرهما العام 1965 وسبق في الدراسة الثانية عن المرأة الصادق النيهوم، الذي أتت دراسته الموسعة والمهمة لاحقًا في الحديث عن المرأة والديانات العام 1966 وكأنها استمرارٌ وتعزيزٌ لما بدأه القويري في الرؤية للمرأة إنسانًا وكيانًا حيًّا فيما ظلت العلاقة لاحقًا بين القويري والنيهوم تستل منهما المزيد من الاحترام والتوقير، وقد وصف القويري النيهوم بأنه فنان كبير بمعنى الكلمة، لكنه متأثر بالأسلوب الأوروبي، وبعد فترة من الأعوام ظل الخال يوسف يبحث عن هذه الدراسة التي ضاعت للأسف من أرشيفه مع الكثير من تراثه الأدبي والفكري بحكم تنقله وعدم استقراره بين مصراتة وطرابلس لينشرها في كتاب وقد وجدها في آخر المطاف لدي أرسلت بها إليه وصدرت في كتاب مع فصول أخرى العام 2006 وعندما وصلته ابتهج بذلك مثل طفل كبير، وكانت مجلة جيل ورسالة التي كنت من طاقم تحريرها أصدرت ملفًا خاصًّا عن يوسف القويري في عددها الصادر في يوليو 1975 تناول تجربته وإبداعه الكثير من الكتاب واحتوى على حوار جميل أجراه معه علي بشير المصراتي، وكان هذا الملف يقع ضمن سلسلة مشروع ثقافي تبنته المجلة وهي التابعه لكشاف ليبيا بإصدار أعداد وملفات سابقة عن الصادق النيهوم العام 1972 وزع معه مجموعة قصصه عن الأطفال وآخر عن خليفه الفاخري العام 1974 وأصدرت أيضًا الديوانين الأولين للشاعر محمد الشلطامي «تذاكر للجحيم» و«أنشودة الحزن العميق» العامين 1970 و1972.

الخال يوسف كان يعتبر الوطن سبب تواجد الإنسان الحضاري والتكوين الاجتماعي الذي تحل خلاله تكوينات اجتماعية سابقة

ولم يكن الوطن بعيدًا عن كتابات يوسف، كان يعتبره سبب تواجد الإنسان الحضاري والتكوين الاجتماعي الذي تحل خلاله تكوينات اجتماعية سابقة ويؤكد أن امتداد الأرض والحركة البشرية فوقها وحركة الاجتماع وارتباط هذه الأرض بغيرها وارتباطها بمجتمعات أخرى هي حركة الحياة والمجتمعات الأصيلة ليست مجتمعات عاقرة، فهي بكل تاريخها الحضاري الطويل تملك على الدوام قدرة المنح الدافئ والانتساب إلى المعبرين عنها والكلمة لا تموت فقد وُجدت آثار الإنسان الأول منحوتة على صخور جرمة والأفكار لا توجد في المعاجم، كانت الكلمة عند القويري وطنًا وأرضًا وبشرًا وقيمًا ورسالة الكلمة والوطن علاقة لا تنفصم عندما يجيد المجتمع العظيم، الذي يقدر أبناءه ويعتبرهم علاماته المضيئة الفهم والهضم الحقيقي لما يعنيه نضال الكاتب والفنان والمثقف وكل الرجال الشرفاء.

كتابات الخال يوسف ظلت مثل الخط الواحد المتصل من الفكر والرؤية والنهوض بدور الكلمة سواء في تلك الدراسات أو من خلال رؤيته البعيدة في مفكرة رجل لم يولد

وعلى هذا ظلت كتابات الخال يوسف مثل الخط الواحد المتصل من الفكر والرؤية والنهوض بدور الكلمة سواء في تلك الدراسات أو من خلال رؤيته البعيدة في مفكرة رجل لم يولد وإشاراته إلى أعلام المفكرين والرواد على المستويين المحلي والإنساني، فقد وصف رفيق بأنه شاعر اللحظة البسيطة وكان محقًّا في ذلك والبياتي الذي عرفه جيدًا بوصفه له الذي يجمع بين عبقرية التاريخ والأرض والشاعر، وفي كل الأحوال استفاد من عزلته التي تكتنفه أحيانًا ابتعد عن ثرثرة المقاهي وبطولات المزيفين وانتفاخ المدعين وعانى كثيرًا من سوء الفهم في مجتمعه الذي ظل يجاهد لقذف طلائعه نحو المنفى النفسي بلا هوادة، وذلك أصعب وأقسى أنواع الأذى الذي نجح فيه البعض من أفراد المجتمع عن جدارة وارتبط بصداقات محدودة وعاش وحيدًا وكان يرافقه فكره وثقافته وكلماته.

وقد أبدع في كتابة القصة القصيرة وكثيرًا ما غفل النقاد أو أشباههم لدينا عن هذا الجانب في تجربة يوسف الكبيرة، فلديه الكثير من النصوص القصصية التي لم تجمع، ويبدو أنهم لم يقفوا عليها حتى يتفرغوا لدراستها، ودع عنك في هذا الموضوع أصحاب الأطروحات والرسائل العلمية، فقد كان فكر يوسف القويري خليطًا رائعًا من الأدب والعلم وتشوف المستقبل وتشعر أنك أمام كاتب ومثقف يقرأ بغزارة أكثر مما يكتب كما يفعل مرتزقة الحروف.
وثمة جانب آخر مهم في تلك التجربة للقويري وهي الزجل والنظم بالعامية. إنها صورة أخرى من صور العطاء الفني الجميل لديه وقد لا يعرف ذلك الكثير أيضًا وهذا الزجل فيه العديد من المكابدة والمعاناة الحقيقية اللتين لا تقلان عن فنه النثري، وفي هذا الزجل تأثر بالروح المصرية فقد استفاد من حياته ونشأته ودراسته في مصر، والتأثر جعله يحيط بما في أبعاد هذا الزجل من شجن وأحاسيس تعبر عن روح الإنسان وكدحه اليومي ومواجهته لقوى الشر والظلم، ولابد أنه استوعب تجارب بيرم التونسي وصلاح جاهين وسيد حجاب وفؤاد قاعود ورزق هيبة وغيرهم، وهذه الأزجال التي نظمها كثيرة جدًّا، والأمل كبير في أن تُجمَع وتصدر في ديوان.
يقول في إحدى هذه القصائد العامية المكتظة بالصور والظلال والألوان المتعددة المليئة بالمقارنات كتبها العام 1964
النخل مات
من غير كفن
واقف ف وش الريح
سعفه انكسر
واقف ف وش الريح
والناس بتشرب م العفن
وتقول مليح
وكاس صفيح
بيدور على ناس البلد
من غير عدد
تحت سقف صفيح
والليله تمشي زي بكرة
زي فكرة
ف الرمال الصفرا منسية
علشان مافيش في أرضها مية
والليله تمشي
والنهار بيغيب
من غير كفن بيغيب
من غير حبيب
من غير رجال واقفين ف وش الريح

ولعل ثمة مخلصًا وغيورًا على تراث الوطن يهتم بهذا النتاج العامي الجميل وكذا القصص القصيرة والدراسات المجهولة التي خلفها يوسف ويجلي عنها الغبار ويقدمها بأمانة للاجيال القادمة.
وللموت كبرياء عظيم لا يقاوم وهو حق وسينال البشر جميعًا دون استثناء، ومثل النخل في ليبيا رحل الخال يوسف محمد القويري في كبرياء، لم ينحن لأطماع الدنيا كما يفعل الأقزام والأشباه، رحل شامخًا وواقفًا في وجه الرياح العاتية بكلماته وأفكاره لكن الحروف التي تركها لا تموت تبقى ذهبًا لا تستطيع نار الشرور أن تحرقه وتظل تستنهض همم الشرفاء للوقوف في وجه الظلام الذي يحاول دائمًا حجب نور الشمس من جديد.
تحية ولا أقول وداعًا أيها الخال العزيز الشريف.