Atwasat

(انعنهن ما جن)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 23 أبريل 2018, 11:50 صباحا
محمد عقيلة العمامي

زمان طلبتْ المؤسسة الوطنية للتصنيع، من خلال عطاء عالمي أشياء كثيرة منها فضلات الأقمشة. اتصل بي صديق أجنبي مهتم بالعطاء وأخبرني أن سوق هذه الفضلات، أو(الخرق) مثلما نسميها في بلادنا، كبير ومتنوع المواصفات وبالتالي الأسعار، وأنه يحتاج إلى مواصفات دقيقة حتى يقدم أسعاره المناسبة. وما إن نقلت إليه ما علمت حتى نسيت الخرق، ولم أهتم أبدا إلاّ بعد أن وجدت مقالا يؤكد أهمية أنواع محددة منها تدخل في صناعة أوراق البنكنوت؛ فقررت تصحيح مقالة المفلسين الشهيرة لتصبح: "خرق انعنهن ما جن .."

خصوصا وأن الدولار تحديدا يدخل في تركيبته نوع محدد من خرق قماشة بعينها، وهكذا تنفع لتكون أغنية يرددونها في أسواق العملة التي انتشرت كالفطر في ليبيا كلها، وتنفع أيضا لتكون نشيدا صباحيا أمام مصارفنا البائسة، باستثناء المصرف الأهلي ببنغازي ورجاله دون سواهم!.

لشركة (توماس دي لارو) مبني حجري في ضواحي مدينة (ليدز) البريطانية، يبدو وكأنه قلعة تُصنع بداخلها أسلحة للدمار الشامل، يحرسها جيش متكامل، ولا يدخلها أو يخرج منها مخلوق من دون تفتيش دقيق. وبين حين وآخر تخرج أو تدخل سيارات مصفحة تحت حراسة شديدة من بوليس، لا يبدو كالبوليس بسيارات مصفحة، ومتنوعة وطوافات ودراجات نارية.. وأشخاص لا يختلفون كثيرا عن (جراندايزر).

إنها تحمل شحنات من نقد لأكثر من مئة وعشرين دولة، كانت منها المملكة الليبية المتحدة، والجماهيرية .. ودولة ليبيا بحسب آخر تسمية. شحنات البنكنوت هذه تنطلق نحو قارات العالم كلها؛ بلايين من الدنانير الكويتية والليبية، وزلوتا بولندية، والدولارات الأمريكية والكندية، ليره لبنانية، دراخمه يونانية.. عملات الدنيا كلها. هذا الزخم المرعب يصاحبه صراع محموم ما بين فنانين شرفاء، توظفهم مجموعة (دي لاور) وفنانين جنحوا نحو شبكات تزوير النقود.

يقال أن مطابع (دي لور) تنتج حوالي 500 مليون من أوراق النقد أسبوعيا، فيما تنتج شبكات التزوير ربع هذا الرقم. فنانو (دي لور) يبلغون حوالي خمسمائة نحات لألواح الطبع، هم من ينفذون ما تريده الدول من رسومات وأشكال على نقدهم. ايران مثلا تفضل أشكالا تقترب من رسومات سجادها العجمي، كمبوديا رسومات لفتياتها الراقصات، أمريكا اللاتينية يفضلون أن يكون نقدهم قريبا من الدولار الأمريكي برسومات رؤوس رؤسائهم.. كل بلد ترسم ما تريده، أو ما يريده رئيسها ولا يزيد عدد القادرين على نحت هذه الرسومات بالدقة المرجوة عن أكثر من خمسمائة فنان حقيقي وشريف، وأقل من نصف هذا العدد فنانين مغامرين وبالتأكيد أقل صنعة من رجال (دي لارو)، الذين يتميزون بالصبر والهدوء، ولا يعرفون الاستعجال، ولا يرغبون أن يزعجهم أحد، لأنهم في حاجة للتركيز بدقة لقطع الطريق عن أي مزور.

وبالإضافة إلى دقة التصميم هناك أساسيات أخرى أهمها الورق والأحبار المستعملة ناهيك عن الورق المتين المصنوع من خرق بالية محددة ومعروفة لرجال هذه الصنعة، فيتميز النقد المصنوع منها بسهولة الثني والصوت الصادر منه. ومع أهمية الخرق، برزت العلامات المائية وخيوط الأمان، وكل ما من شأنه أن يجعل مهمة المزورين مستحيلة.

الحرب بين مطابع النقد، خصوصا ( دي لور) وبين المزورين بدأت منذ أن دعت الحاجة بسبب التطور التجاري والصناعي إلى استبدال العملة الذهبية والفضية بالعملة الورقية أو "عملة الخرق"، التي سهلت من دون شك على لصوص المال العام نقل وتهريب الملايين. فيما ينتظر "رقاد الريح" أمام المصارف القليل من (الخرق) ولا يمانعون أبدا إن سلمت لهم (فكه، أو رقاق) من فئة المئة درهم.

لقد ذهبت بعيدا، فما كنت أريد أن أقوله أن نظام القذافي، عالج اختفاء السيولة، بمعونة محافظ ليبيا المركزي في ذلك الوقت، بإعلان تغيير العملة، مؤكدا أنه على من يحتفظ بها في بيته، أو مزرعته، عليه تسليمها في مدة حددها الإعلان وإلا تصبح بدون قيمة، وبالفعل اصطف من يحتفظون بالعملة من الأفجار طوابير، مثلما يحدث الآن لرقاد الأرياح. سلم الناس النقود وهم يعرفون أنهم لن يأخذوا سوى ألف دينار شهريا وهذا ما حدث؟. وهذا ما سيحدث لو أن النقد المختفي، الآن، ليس في حوزة أولياء الأمر منا.

بريطانيا انتبهت أن النازيين زوروا، أثناء الحرب العالمية الثانية، ألواحا لطباعة عملتهم، وتحددت في فئة الخمس جنيهات إسترليني واستمرت لسنوات وراء هذه الالواح، إلى أن اكتشفوا رزما من نقود طبعت بها، مغمورة في بحيرة (توبلنز) في النمسا ولكنهم لم يعثروا على ألواح طبعها. فما كان من بنك انجلترا إلاّ أن أصدر طبعة جديدة من الخمس جنيهات وألغى القديمة، وسط تذمر من يملكون الكثير منها، ولكنها تمكنت من المحافظة على عملتها واحترام العالم لها.

لو يحدث مثل هذا القرار في ليبيا.. ستباع دنانير دولة ليبيا على أرصفة الشوارع في العديد من البلدان، التي لم تعد خافية على أحد، ويصنع منها أقماع فخمة (للب والفول السوداني ... والسمينسا).