Atwasat

الأولويات في آخر الأمر!

عبد الكافي المغربي 2 يوم
عبد الكافي المغربي

إذا وقفت عبارة "في آخر الأمر" على رأس فقرة معينة، يستنتج منطقيا أن الخاتمة ستتبع، ولما كانت الأولويات لا يرضى لها بديهيا أن تتزامن مع نهاية سرد الأفعال التي يفضي إتيانها إلى نتائج مرغوبة، فنحن في مواجهة مباشرة مع كآبة العقل الليبي، الذي لا يحتكم للعقلانية ولا يقبل بإملاءات طبيعة الحال، إذ أستذكر تعريف قومي في مجالسهم ومداخلاتهم بالبرامج الجماهيرية لأكثر ما يكون إلحاحاً على الصعيد الوطني. يغض الفهم العام لهذه "الأولويات" النظر عما هو طوباوي أو عملي، في هبوطه إلى ما هو سفلي ورخيص.

بيد أنه في الاختلاف في تقديرنا لأهمية الأشياء وما ينشأ عن التباين من توتر جدلي مرغوب، وما في افتراق وجهات النظر من منافع يفترض تشجيعها، ما يدفعنا للخشية من أن نحاجج في زعمنا. وردنا أننا نرضى بكل نقاش يشهِر فيه العقل أسلحة الجدل، ولا ينال فيه أحد الأطراف من الجانب الآخر بالتسفيه الدوغمائي. فما هي الأولويات المقتبسة من وجهة النظر السائدة؟.

من أول الأولويات عندهم أعطية حكومية منتظمة، ثم دعم شامل للسلع، فحكومة قمعية، يليها نظام شرطي يحد من انتشار الجريمة، وعسكريون غلاظ يقبضون على أزمة الحكم ويحولون بين المغامرين والسلطة، وأخيراً قطاع صحي يؤجل اختطاف الفرد الحتمي من أحبابه، ولا ينزعج إذا توفرت بعثات دراسية. وتدور هذه المطالب كلها في فلك رغبات "القطيع"، ولا تحمل بشائر التغيير، بل هي تملك إمكانيات غير تقدمية كذلك.

أما امتداد تداعي منظومة التعليم العربية إلى ليبيا وعلى نحو منذر، وغياب خطط التنمية والانكماش الاقتصادي المصاحب لنمو سكاني غير محدود، وإعاقة الثروات الوطنية عن ممارسة دورها في تأسيس الرخاء وتحقيق نهضة شاملة، وقصور الأجهزة الردعية عن توقيع عقوبات شديدة على مرتكبي الجرائم "الجرائم والجنح الموجهة إلى الطفولة على سبيل المثال"، وإجهاض النظام العشائري لإرهاصات الدولة المدنية، وتشويه الفنون والآداب وسلخها من طابعها الخلاق، وتحديات تأليف جماعة لا مكان فيها للقاهر والمقهور والقامع والمقموع وبالتالي تصاعد مشاعر حب المجتمع والولاء للوطن، ليس في ذلك جميعا ما يؤرق المواطن العادي بمثلما يشكل همًا يوميًا للمثقف المفكر. ذلك أن المثقف الفاعل يتمثل في هذا النأي عن الأولويات الحقيقية خاطرا أليما في ذاكرة الثقافة العربية، حينما نقمت دمشقُ كلها من أبي خليل القباني محاولته في النهوض بالفن، بزعمها أنه سعى بمكر إلى تغيير الأخلاقيات العربية البطيئة التطور، وأن المسرح يعد ترفا أدبيًا باذخًا في حضور معاناة الشعب العربي من الجوع والفقر والأمية.

وبين قمع المخاوف لشخصية المثقف وخيبة إرادته، وسذاجة آمال العامة، تظل الأولويات غير محددة، وتبقى في آخر قائمة الملحات على المستوى العربي والصعيد الوطني. يمكن أن نختلف بكل طيب خاطر مثلا في مسألة كفاءة البعثات الدراسية في تغيير الوعي الوطني بقضايا معينة، أو عبثيتها، لكن لا ينتظر من الأمة التي تريد أن تشغل مكانًا وسطًا بين الأمم أن تتجاوز الآمال الوطنية الكبرى في طريقها نحو إشباع حاجاتها، التي وإن لسنا نبخسها أهميتها، يفترض ألا نتيح لأحد استعبادنا بها، حتى لو كان الثمن تضحيتنا بشيء من تلك الحاجات الأساسية، أو كما يقال.