Atwasat

ينشُ عنهم الله

محمد عقيلة العمامي 6 أيام
محمد عقيلة العمامي

(إميل كارتييه) أو (إلن)، مثلما اشتهر بين طلابه، فيلسوف فرنسي معاصر، توفي سنة 1951. كان قد تأثر بفلسفة أفلاطون، وسقراط، واهتم كثيرا بالمفكر (ديكارت). (إلن) مثلما يقول عنه تلميذه (اندرو موروا) الذي نال شهرة عالمية واسعة: "أنه ما انفك يزرع فلسفة روح الحياة في طلابه، لأنه يرى أن الفلسفة تنتج من التجربة اليومية ". أريد أن أنقل لكم بعضا مما كتبه ( موروا) عن أستاذه، مقترحا أن تعودوا بذاكرتكم إلى أساتذتكم في مراحل دراستكم كلها وستجدون كلمات حق قوية ينبغي أن تقال في حقهم. أنا شخصيا تذكرت أستاذي محمد على العريان، ومحمد فرج ادغيم، وقبلهما حبيب الصابري، والسنوسي الدغيلي، وآخرهم أخي وصديقي خليفة الفاخري.

يقول أندروا موروا عن (إلن) أنه من بعد أن دخل على فصلهم في أول يوم دراسي: "تناول قطعة طباشير وكتب على السبورة عبارتين مقتبستين من أفلاطون: "على المرء أن يبحث عن الحقيقية بكل ما في وسعه، وأن يسلك أطول السبل". وعندما دخل علينا الدكتور محمد على محمد خيري أستاذ علم الاجتماع في أول محاضرة لنا، في أول يوم دراسي بمدرج رفيق جامعة بنغازي سنة 1967، ومن بعد أن صبّح علينا بدفئه ورقته التي اكتشفناها فيما بعد، التقط الطباشير وكتب على السبورة: "انتبهوا العمر أقصر مما تتصورون، افرحوا به واستفيدوا منه" وكانت المحاضرة كلها عن العمر الذي يسرق المرء من دون أن ينتبه إليه. والآن من بعد ستة عقود أحسست بما قاله، واقتنعت تماما أن العمر فعلا قصير جدا".

وذات يوم دخل علينا أستاذ علم النفس الدكتور محمد على العريان، الذي أمهله معمر القذافي 48 ساعة لمغادرة ليبيا بسبب آرائه، تماما مثلما فعل مع الدكتور توفيق رشدي، والدكتور عبد الرحمن بدوي، الذي وثق هذه الحادثة في مذكراته، وكأننا جميعا مسئولون عنها، دخل العريان في يده ثمرة أناناس، قال لنا أنه اشتراها وأنه سيأكلها لأنه يحب طعمها، وطلب منا أن نكتب عنها موضوعا لا يقل عن 500 كلمة. وظللنا فصلا دراسيا كاملا، نناقش ما كتبناه من بعد أن أبرز نقاطا جعلها مدخلا لمعرفة الشخصية. والآن بعد نصف قرن انتبهت إلى أن ما حلله الطلبة بتوجيهاته تحقق منه الكثير. كان في كل نقطة يعود إلى من تناولها من علماء النفس.

منذ أيام قرأت كتابا عن أفكار الفيلسوف (وليم جيمس) كان الدكتور محمد على العريان قد ترجمه منذ أكثر من نصف قرن، وكان اسم هذا المفكر لا يغيب عن محاضرة من محاضراته، وما زلت أذكر قولا مقتبسا منه ذكره العريان في واحدة محاضراته: "أن العربة التي تجرها الخيول بالطلبة نحو كمبردج هي أقرب الطرق إلى السماء". والمعني واضح خلاصته أن العلم هو السبيل للوصول إلى الله. الآن، اتضح لي أن العلم لا يمكن تعلمه بالإصغاء إلى رجل يحسن التفكير، وإنما بممارسة التفكير، مثلما يقول الأستاذ (إلن) الذي شبه هذا الرأي أن الجنود في الجيش لا يسمعون محاضرة عن البندقية، وإنما يفككونها قطعا، ويعيدون تركيبها، وبعد مرات يعرف الجندي ما هي البندقية". المرء عليه أن يستنبط فكرته وحجته ثم يبرهن عليها ثم يعيد صياغتها حتى يصبح الموضوع وألفاظه جزءا من العقل".

عندما أفضى (أندريه موروا ) إلى أستاذه أنه يريد أن يصبح كاتبا نصحه قائلا: "إذا بدأت حياتك كاتبا فلن تعرف شيئا عن الناس والحياة. إن ما فعله أفضل الكتاب في العالم أنهم مارسوا الحياة، قبل أن يكتبوا: "بلزاك محرر عقود، و ديكنز مخبر صحفي، وتولستوى ضابط، وكونراد بحار. وذهب (أندريه موروا) إلى مصنع أبيه، وجرب العمل الشاق وقال: "اتبعت نصيحته ولم أندم". وأنا ابتدأت حياتي صبيا عاملا في قهوة سي عقيلة، ثم نجارا، ثم قاريء عدادات، وطباعا، ومدرسا ومترجما، ومقاولا، وتاجر أحذية، ثم حواتا، وطباخا.. وأشياء أخرى كثيرة، ولم أندم أبدا على ما فعلت. فالحمقى فقط - مثلما قال (إلن)- هم من يظنون أنهم يصبحون مبتكرين، إذا ما أهملوا آراء الأجيال التي سبقتهم، فالابتكار هو حسن صياغة الأفكار السائرة.. "يعني إرث الإنسانية".

وكتابي قطعان الكلمات المضيئة فحواه تجربة النيهوم والفاخري، وكان الفاخري يقول لكل كاتب مبتدئ يطلب نصيحته، ويرى أنه موهوب: "استفد من تجاربك، ولا تهمل تجارب الآخرين" يعنى أقرأ. وقال النيهوم يصف إحساسه بوحدته وغربته أنه: "بقرة بلا ذيل" وهي ذات البقرة التي يقول عنها مثلنا الشعبي "... ينش عليها الله " ومن لا يقرأ، ولا تجربة حقيقية له، ويريد أن يكتب يحتاج فعلا إلى معونة من الله ليقنعنا بما يكتب.