Atwasat

دقات طبول الحرب

إبراهيم نوار السبت 14 أبريل 2018, 06:09 مساء
إبراهيم نوار

إنها طبول الحرب تدق بقوة منذ انتهت قمة 4/4 في أنقرة بين رؤساء روسيا وإيران وتركيا. في المقابل تصطف الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل والسعودية. الجغرافيا السياسية لهذه الحرب (إذا) وقعت سوف تغطي مساحات واسعة من منطقتي الخليج وشرق البحر المتوسط، ولن تتوقف على سورية أرضاً وبحراً وجواً.

حكومة الحرب في واشنطن شمرَّت عن ساعديها، وفي كل من لندن وباريس وتل أبيب والرياض، تتأهب القوى أيضاً للمشاركة، لكن.. لماذا الحرب؟.

إسرائيل هي التي تقود من المقعد الخلفي جهود تسخين الموقف، ودفع الإدارة الأميركية إلى مواجهة ساخنة مع روسيا وإيران. في واشنطن فريق يعلن بقوة أن سياسة روسيا أصبحت خطراً يهدد الأمن القومي للولايات المتحدة. في لندن وباريس لا يزال الدور الشرق أوسطي التقليدي يراود القيادة في كل من البلدين، ناهيك عن التزامات حلف الأطلنطي. لكن المراقب لا يمكن أن تفوته ملاحظة أن الحلف لم يعلن موقفاً محدداً حتى الآن.

إسرائيل هي التي تقود من المقعد الخلفي جهود تسخين الموقف، ودفع الإدارة الأميركية إلى مواجهة ساخنة مع روسيا وإيران

تل أبيب ببساطة لا تريد إيران على حدودها، وقد اقتربت كثيراً، فقط عشرات الكيلومترات من حدود إسرائيل الشمالية الشرقية. إيران لا تتقدم عسكرياً فقط هناك، ولكنها تبني قواعدَ للوجود الدائم، وهذا يجعل القيادة الإسرائيلية لا تنام من الخوف.

طهران تريد طريقاً سالكاً آمناً إلى البحر المتوسط عبر بغداد ودمشق وبيروت، لهذا كان من الضروري تصفية الغوطة الشرقية تماماً من المناوئين لبشار الأسد. فوق ذلك فإن طهران ومعها موسكو تريد سورية كاملة غير منقوصة لبشار الأسد. وهذا وضع طهران في مواجهة مع أنقرة بشأن عفرين في شمال سورية. ومع أن العداء للأكراد هو القوة التي توحد طهران وأنقرة بشأن سورية، إلا أنهما تختلفان حول مدى تمدد النفوذ التركي في سورية، وذلك على الرغم من أن أنقرة لم تعارض تمدد النفوذ الإيراني في معظم أنحاء سورية. 

موقف تركيا (إذا) نشبت حرب إقليمية سيكون شديد الحساسية، وسيكون من المثير مراقبة توجهات تركيا التي أصبحت محصورة بين حليفين جديدين يعارضان تمددها في شمال سورية، وبين حليف أطلنطي (الولايات المتحدة) يتحدث صراحة عن إقامة دولة كردية تكون عازلاً جيوبوليتيكياً بين إيران وبين شرق البحر المتوسط. (من المحتمل أن تمتد هذه الدولة لتشمل أجزاء من الأناضول، وهو ما يعني تقسيم تركيا!).

موسكو تدخل مغامرة كبرى، قد تقيمها أو تقعدها. إنها وضعت دفاعاتها وترسانة أسلحتها الجديدة مثل صواريخ «إس إس- 600» وأحدث أجيال مقاتلاتها وقاذفاتها ودباباتها في مرمى نيران القوة الصاروخية والقاذفات والمقاتلات الأميركية والإسرائيلية. ومن اللافت للنظر أن روسيا لم ترد أبداً على الغارات الإسرائيلية ضد أهداف سورية يتواجد فيها الروس بضربات انتقامية ضد إسرائيل، ولم تهدد بذلك. وسوف يكون من المثير مراقبة ردود فعل موسكو العسكرية على الغارات الإسرائيلية، ومن المرجح أن تشارك إسرائيل عسكرياً (إذا) نشبت الحرب في الشرق الأوسط. إن حكومة الحرب في واشنطن لا تسعى لهزيمة روسيا، فهذا هدف أكبر كثيراً مما قد يحدث في سورية، ما تريده حكومة الحرب الأميركية هو توجيه ضربة إلى القوات الروسية في سورية بقوة تكفي لإقناع موسكو (بوتين) أن تكلفة سياستها في الشرق الأوسط تزيد كثيراً عن المكاسب التي تتحقق من هذه السياسة.

الرياض متورطة إلى أذنيها فيما يجري، وهي تريد تصفية حسابات إقليمية كثيرة في هذه الحرب، وهذه الحسابات الإقليمية لا تقتصر فقط على دول وأنظمة

الرياض متورطة إلى أذنيها فيما يجري، وهي تريد تصفية حسابات إقليمية كثيرة في هذه الحرب، وهذه الحسابات الإقليمية لا تقتصر فقط على دول وأنظمة، وإنما هي تمتد إلى جماعات خارج السلطة مثل حزب الله، وبالقطع مع الحوثيين في اليمن. هي تريد أولاً وقبل كل شيئ تصفية حسابات مع إيران، عدودها اللدود على كل المستويات، وكذلك تصفية حساباتها مع قطر، الدولة المضيفة لأكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط (قاعدة العديد)، ولا شك أن ذلك سيحول بين الرياض وبين النهش في قطر، وإن كان سيعرض قطر لاحتمالات الضرب من إيران وروسيا إذا تم استخدام قاعدة العديد بكثافة (إذا) نشبت الحرب. لكن الرياض مكشوفة دفاعياً، ومن المرجح أنها ستحتاج إلى مساعدة مصر وباكستان، وربما دول أو أطراف أخرى، بجانب المظلة الدفاعية الأميركية.

وربما يلاحظ القارئ أنني استخدمت (إذا) عندما تحدثت عن احتمال نشوب الحرب. وهذه الـ (إذا) تتوقف على شرطين:

الشرط الأول، هو نشاط الدبلوماسية الدولية. ويجب أن نعلم أن أي حرب في الظروف الراهنة قد يتطاير شررها إلى العالم أجمع. ولذلك فإنه سيكون من مصلحة أطراف كثيرة أن تحاول التدخل لتهدئة الموقف وإفساح المجال للحوار على غرار ما يحدث الأن في شبه الجزيرة الكورية، بعد تصعيد وصل إلى حد أن ترامب هدد باستخدام السلاح النووي ضد كوريا الشمالية. لكن الفرق بين الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الكورية أنه يوجد هناك صوت للعقل، وتوجد أطراف لها قدرة على الحركة، ولا شك أن قيادة الصين وكوريا الجنوبية للمجهود الدبلوماسي وفر أرضية صلبة لتجنب الحرب.

ويمثل نجاح مبادرة الدعوة إلى قمة أميركية- كورية شمالية، وقبولها من الطرفين نموذجاً لقدرة الدبلوماسية على نزع فتيل الحرب.

الشرط الثاني، هو الحكمة السياسية «political judgment» لدى القيادات في المعسكرات المتقابلة. ترامب، الذي هو ربما يراهن على الحرب بهدف (توحيد) الولايات المتحدة وانتشالها من حالة (الانقسام) التي تغرق فيها يوماً بعد يوم، ربما يدرك في ثانية واحدة أنه مهدد في عقر داره، وأن الحزب الذي أتي به للسلطة ينفرط عقده وهو على أبواب انتخابات في نوفمبر المقبل، خصوصاً بعد إعلان بول رايان، رئيس مجلس النواب، عزمه عدم الترشح. ترامب قد يقنع بالحصول على بعض التنازلات من روسيا.

وتظل الكرة بعد ذلك في ملعب إسرائيل، التي تريد حرباً بأي ثمن، لضرب خصمها الأول في الشرق الأوسط (إيران)، (فإذا) وقعت الحرب، فربما تكون إسرائيل هي صاحبة الكلمة الأخيرة في إشعال نيرانها.

 

*كاتب مصري