Atwasat

قراءة في الخريطة السياسة الاجتماعية وتحدياتها

إبراهيم سعيد قرادة الأحد 08 أبريل 2018, 09:59 مساء
إبراهيم سعيد قرادة

 

- الإخوان الأكثر تنظيمًا وخبرة، وحظوا بتأثير خلال الفترة السابقة، تعرضوا لهزات في الشرق، وقوة حضورهم غير واضحة

- السلفيون عدة تيارات، دون حزب معلن، في توسع أفقي بين الشباب والشرائح البسيطة، وتضخمت قوتهم العسكرية والإعلامية مع السيطرة على «الأوقاف» و«التعليم»

- التيار المدني خارج حزمة الإسلام السياسي. تعرَّض للتضييق وهجمة مبكرة من الإسلام السياسي، وانحسار ناتج عن مواقف وارتباك بعض مكوناته السابقة

- إقليم طرابلس الأكبر سكانًا (تقريبًا الثلثين) والأكثر تنوعًا وتعقيدًا وتنافرًا، يتفرع إلى ثلاثة قطاعات.. في مصراتة وزليتن المعطيات ترجح الاتجاهات الفبرايرية بين الإسلاميين والمدنيين

مقاربة تحليلية، تفكيكًا وتركيبًا، لفهم واستقراء الاستحقاقات للتفاعل معها. مدخلان متداخلان ومرتبطان لذلك، مدخل الجغرافية الاجتماعية ومدخل الجغرافية السياسية. 

أولاً: المدخل السياسي الأيديولوجي
أ- تيار الإسلام السياسي
1- الإخوان المسلمون: الأكثر تنظيمًا وخبرة، وحظوا بتأثير خلال الفترة السابقة. ومن داعمي اتفاق الصخيرات. تعرضوا لهزات في الشرق، وقوة حضورهم غير واضحة. مع اهتزاز في تواصلهم مع بعض التيارات الفبرايرية والإسلامية. مما يضع ضغطًا عليهم للتوازن.

2- السلفيون
عدة تيارات، بدون حزب معلن. توالي مجموعة منهم المجلس الرئاسي، وأخرى القيادة العامة. في توسع أفقي بين الشباب والشرائح البسيطة. بسبب الصراع، استفادوا وتضخمت قوتهم العسكرية والإعلامية مع السيطرة على الأوقاف والتعليم. عادة لا يميلون للديمقراطية والانتخابات. والسؤال: كيف ولمَن يميلون في المستقبل؟ طيف مجتمعي واسع يعتبرهم خطرًا مستقبليًّا.

3- الإسلاميون المحافظون
المقصود: تيار دار الإفتاء، والمنبثقون والقريبون من «الجماعة الإسلامية». ويتصفون نسبيًّا بخط منهجي يقع بين الإخوان المسلمين وبين السلفية، وإن أقل براغماتية منهما. مع تراجع ملحوظ بعد اتفاق الصخيرات. اقتراب الانتخابات، قد يدفعهم لترتيب صفوفهم وحشد جموع فبرايرية همّشت، مع احتمال البحث عن تحالفات. 

4- الصوفية
تحظى بحضور في العديد من المدن الكبيرة، رافضة للتيار السلفي، وبدرجة ما للإسلام السياسي. 

5- الإباضية
المذهب السائد لدى أمازيغ ليبيا مع رفض للتيار السلفي، بسبب فتاويه واعتداءاته.

ب- التيار المدني
1- تحالف القوى الوطنية
الأكبر خارج حزمة الإسلام السياسي. تعرض للتضييق وهجمة مبكرة من الإسلام السياسي، وانحسار ناتج عن مواقف وارتباك بعض مكوناته السابقة. مع بقاء تعاطف قطاع واسع من الأكاديميين والمثقفين، وأيضًا شريحتي النساء والشباب. بعدما أعاد التحالف تشكيل نفسه كحزب، فأمامه فرصة وتحدٍ في مدى براعة وسائله في الاستفادة من تنوعات الساحة السياسية، في بوادر تشكل بدائل. 


2- حراك نعم ليبيا
حراك جديد، يضم مجموعة من السبتمبريين والفبراريين، في محاولة لتجاوز الانقسام، والاستفادة من المساحة البينية المتروكة. قد يجد نفسه يتنافس مع التحالف في نفس المساحة، إلا إذا قاما بالتنسيق.

3- التيار السبتمبري
يضم تشكيلات متنوعة، مع ميل لأهمية إعادة بناء الجيش كأساس ضروري للدولة. نقطة قوته إخفاقات فبراير، وضعفه في الحنين لاسترجاع الماضي.

ثانيًّا: المدخل الاجتماعي

أ- إقليم برقة
أكبر الأقاليم مساحة بتركز سكاني في الشمال. بسيادة قبائل كبرى مع ساكنة حضارية (الحّضوّر/ باللهجة الليبية) تتركز في مدينتي بنغازي ودرنة، وأغلب «الحضور» تعود أصولهم لهجرات من غرب ليبيا. نسبيًّا، يمتاز هذا الإقليم بالسلمية الاجتماعية مقارنة بالإقليمين الآخرين. ربما، لوصوله لنوع من التوازن منذ آخر حروبه الداخلية قبل قرنين، ولأثر السنوسية، ولتجنبه حرب الثورة. ليشهد لاحقًا حربًا واستقطابًا شرسًا بين الإسلاميين ومعارضيهم. تسود بينه حالة من توجس (تواصل) تغول إقليم طرابلس.

قاد الجيش عملية الكرامة (اصطلاحًا: القيادة العامة)، عمليات كبيرة ضد الإرهاب والإسلام السياسي، بدعم من عموم القبائل والسلفيين، مع نسبة من «الحضور» وجدت نفسها في صف الإسلام السياسي، ربما لتأثرهم بما حدث في غرب ليبيا. بتأييد واضح لشريحة المثقفين والتيار المدني له. مع معضلة وضع التيار السلفي فيه. وسيكون من الصعب على تيار الإسلام السياسي العمل السياسي، والذي عليه البحث عن مخرج مقبول له ولغيره، حتى لا يدفع خارج الإقليم أو العمل السري المحفوف بالعواقب وغير المطلوب. كما، أن الساكنة الحضرية (الحضور) في حاجة أيضًا لمعادلة تعايش جديدة تؤكد الوئام السابق. وأن جزءًا كبيرًا من التيارات السبتمبرية تميل لجناح القيادة العامة.

ب- إقليم فزان
الإقليم الأقل سكانًا والكبير مساحة والموارد، ومرتبط اجتماعيًّا بدرجة أكبر مع إقليــم طرابلس. عانى الإقليم شديدًا خلال فبراير وبعدها، بسبب أن فزان كانت القاعدة الأخيرة لسبتمبر، ووجود حضور قبلي موالٍ لسبتمبر، وأيضًا تعرضها لاختلالات ديمغرافية ناتجة عن الهجرة والتحركات البشرية من خارج ليبيا، مع الاستمرار المتقطع للاشتباكات القبلية والتدخل الخارجي.

تيار فبراير، يأتي أولاد سليمان في مقدمته، في حين أن أغلب المقارحة والقذاذفة وورفلة في جانب تيار سبتمبر. ورغم أن التبو محسوبون على فبراير فإن صراعهم مع أولاد سليمان يجعلهم طرفًا ترجيحيًّا مهمًّا. الطوارق أقرب إلى أولاد سليمان قبليًّا، ومتعاطفون مع امتدادهم أمازيغ الشمال. عمومًا، هناك ميل لجناح القيادة العامة ينافسه فيه تيار سبتمبر، أما تيار فبراير فتشتته وانقساماته في الشمال تلقي بظلالها على فزان. ويبقى البعد القبلي هو المؤثر الأساسي، والذي عادة يتوجس من الإسلام السياسي.

ج- إقلــيم طرابلس: الأكبر سكانًا (تقريبًا الثلثين) والأكثر تنوعًا وتعقيدًا وتنافرًا. يتفرع إلى ثلاثة قطاعات: طرابلس الكبرى، شرق طرابلس، وغرب طرابلس. يتصف الإقليم بتعقد وتنافس قبلي في المشهد السياسي، ناتج عن اصطفافات «الصفوفية»، وهي أحلاف قبلية اُستُخدمت خلال الفترة القذافية، وتعاظمت خلال حروب فبراير، ولا زالت تلقي ظلالاً قاتمة ومزعجة.

1- قطاع طرابلس الكبرى:
أكبر كتلة سياسية في ليبيا، بحجم مقدر بين(1 - 2 )مليوني نسمة، من كل ليبيا. هذا التراوح الكبير يعود إلى أن الكثير مرتبطون سياسيًّا بمناطقهم الأصلية. 

- طرابلس المدينة: تمازج سكاني وتأثير للرابطة الطرابلسية وتراجع للولاء القبلي، مع دور لأصحاب المال (البزار الطرابلسي) والتكنوقراط، والبعد الصوفي والإخواني سائدان، يتحداهما التمدد السلفي لساكني الأطراف. مع حضور للطيف المدني لتجذره الثقافي. يصعب تقدير تيار القيادة العامة، للتخوف من إعلان ذلك. 

الضاحية الشرقية
يغلب على سكانها الارتباط التاريخي والسياسي بطرابلس المدينة. هناك ظهور واضح للتيار الإسلامي عمومًا من صوفية وإخوان مسلمين، ومحافظون وسلفيون. وحظت بتأثير متزايد بعد الترتيبات الأمنية لاتفاق الصخيرات. 

الضاحية الغربية
تقطنها غالبية سكانية من المنطقة الغربية والجبل. وبتوجهاتها السياسية ترتبط بمناطق أصول السكان. سيرد لاحقًا. 

الضاحية الجنوبية
مكتظة السكان، وتنوع في مستويات أدخل وتتصف بسيادة ساكنة أغلبها من القطاع الشرقي لطرابلس. كان بها حضور ملحوظ لمناصري القذافي. سياسيًّا، احتمالية أن يتجه أغلب تصويت هذه الضاحية نحو القيادة العامة، بتأييد من السلفية أو السبتمبريين ولعوامل قبلية واقتصادية وتوظيفية. التيار الإسلامي بتنوعاته قد يكون له نشاط، أما الليبراليون فإنهم أمام جهد حقيقي كبديل يلبي تطلعات شباب الضاحية.

2- قطاع شرق وجنوب طرابلس
- من بن غشير والقره بولي حتى سرت وهراوة شرقًا، وتضم مناطق مهمة: منها مصراتة وترهونة وبني وليد وزليتن. يمكن اعتبار أن مصراتة وزليتن في جلهما محسوبتان على فبراير، وبني وليد أقرب لسبتمبر، في حين أن ترهونة منقسمة بينهما. أثر الصفوفية القبلية موجود هنا بين صف تقوده مصراتة والآخر تبرز فيه ورفلة (بني وليد)

- سياسيًّا، في مصراتة وزليتن فبحسب المعطيات الراهنة ترجح الاتجاهات الفبرايرية بين الإسلاميين والمدنيين. في حين أنه في بني وليد (ورفلة)، بحكم أحداث السنوات الأخيرة، فالأرجح أن أغلبها لن يصوت لأي تيار مرتبط بفبراير، وبالأخص إسلاميي فبراير، مع فرصة أكبر للتيارات المدنية، وبالذات السبتمبرية، وأيضًا مع توقع انجذاب اتجاه القيادة العامة. أما ترهونة، فستكون في المسافة بين مصراتة وبني وليد. أما المناطق الأخرى فإنها ستميل إلى أحد القطبين حسب القرب التاريخي والسياسي.

3- قطاع غرب وجنوب غرب طرابلس
من جنزور حتى الحدود، يطوقها جبل نفوسه جنوبًا، وبينهما سهل الجفارة. تأثير الصفوفية في هذا القطاع ملحوظ، رغم أن هذا العامل كان تراجع أثناء ثورة فبراير، إلا أنه عاد وبرز بعدها في كل المحيط الطرابلسي، بحيث تركز انخراط ودعم مكونات أحد الصفوف في طرف تقوده مصراتة، والطرف المقابل قادته الزنتان، مع ميل التيار الإسلامي والمدني والأشد فبرايرية لصف مصراتة، وميل التيار المدني والقبلي لصف الزنتان. ذكر ما سبق ليس لإحياء النعرات القبلية، بل لأنه ما زال مؤثرًا. حدث تزعزع في التحالفات نتيجة لشعور بعض أعضائه بأنه تم استغلالهم والتنكر لهم من قبل أطراف يفترض أنها كانت حليفة، إلى أن حدثت تطورات ومعطيات وجهود لصيانة نظام الصفوفية.

- الزاوية أكبر الحواضر السكانية الغربية، إلا أنها تعاني ارتباكًا في ترتيب بيتها الداخلي، دون أن يلغي تأثيرها الفبرايري. التيار المدني، ربما، يحظى بامتياز نسبي نظرًا للإرهاق الذي سببه الإسلام السياسي. وبالأخص المحافظ، والذي قد يتمتع ببعض المناصرة، لتشارك الشعور بالتهميش الناتج عن اتفاق الصخيرات.

- قطاع زوارة ومحيطها: وهو طوَّق هلالي مركزه زوارة، من صبراتة فالعجيلات حتى الحدود. أغلب الطوق كان مواليًّا لسبتمبر لأثر الصفوفية، مما يشير نحو جناح القيادة العامة أو السبتمبرية. في حين تميل زوارة وصبراتة نحو الفبرايرية، ويختلفان في ناحيتين، ناحية أن زوارة بحكم أمازيغيتها ستميل للتيار المدني أو الإسلام الإخواني، شريطة الخطاب المناسب. في حين صبراتة ستنزع نحو التيار الإسلامي فيما بين السلفي والإسلامي المحافظ. 

- قطاع الجفارة وباطن الجبل: ساكنته أكبر قبيلة ورشفانة، بجانب قبائل أخرى مرتبطة أكثر بالجبل. هذا القطاع يصنفه الكثيرون بأنه أكثر ميلاً لسبتمبر منه لفبراير، وأغلبه يميل للحلف الصفي الذي تقوده الزنتان. تفاعل هذا القطاع يتطابق بدرجة كبيرة طوَّق القطاع السابق.

- قطاع جبل نفوسه: ويتميّز بحضور عرب مالكية وأمازيغ إباضية فيه، مع انقسامات صفوفية تاريخية. أغلب الجبل اصطف مع فبراير مبكرًا ولاحقًا، باستثناء بعض الجزر. خلال فبراير حدث تلاحم تاريخي تجاوز الاصطفافات الصفوفية، لتعود للظهور، وهذه الانقسامات وصلت ذروتها خلال عملية فجر ليبيا. حيث تحالف الأمازيغ والغريان مع مصراتة والتيار الإسلامي والأشد فبرايرية، في حين اصطفت الزنتان والرجبان مع عملية الكرامة والتيار المدني المتمثل في التحالف حينها. نتج عن ذلك شروخ مست وامتدت لكل غرب ليبيا. مؤخرًا عاش الجبل نوعًا من السلام الحذر. مهما كانت الاختلافات، فمعظم قطاع الجبل يجد نفسه مصنفًا أو اختيارًا في صف فبراير بتنوعاته.

محور الزنتان والرجبان وحلفائهم يميلون أكثر لجناح القيادة العامة والتيار المدني والقبلي، في حين أن محور الأمازيغ وغريان متحفظ على جناح القيادة العامة والتيار المدني بسبب السوابق وشبهة التوجهات العروبية، وفِي نفس الوقت يمتد التحفظ بدرجة ما على الإسلام السياسي. وينتظر الأمازيغ من التيار المدني أو الإسلامي المعتدل الذي يراعي مطالبه ويطمئنه. 

ثالثًا: الخلاصة
- واضح أن المشهد السياسي معقد أكثر في طرابلس، وخطر أكثر في فزان. أما برقة فهي في وضع لن تقبل أي مخرجات سياسية، بمعنى لزوم التوافق، لتجارب سابقة تم تجاوزها فيها.
- من حيث الرقعة الجغرافية واضح تمتع جناح القيادة العامة بحضور أوسع، غير أنه حيث توجد الكثافة السكانية الأكبر - أي في إقليم طرابلس- فالصورة أكثر ضبابية.
- تيار فبراير يعاني من التشظي والتخبط والغنائمية وتصلب وعدم الثقة بين أطرافه، ومع خارجهم. وهذا يستوجب تيار واقعي وقيادة له.
- التيار السبتمبري يعود ويستعيد بعض مساحته بسبب إخفاقات فبراير، وتسامحية فبراير الغرضية. إلا أنه يعاني من انقسامات جذرية بين الواقعية والافتراض، وبين المستقبل والماضي.
- التيار المدني، لازال غير واضح في مدينيته، بالإضافة إلى رفض الإسلاميين له، مع عدم رغبة أطراف إقليمية فيه. وإخفاقه في الخروج من الجمود الخطابي والعملي وقصوره مع التعامل البراغماتي مع السلطات والقوى على الأرض. وقد يعاني التيار المدني من التفكك والتشتت لدخول مكونات جديدة، حال عدم تعاونها.
- التيار الإسلامي- غير السلفي- فرقتهم تكتيكات السياسة وتغير التحالفات. الإسلاميون المحافظون عانوا من تراجع كبير لعدم مرونتهم. أما الإخوان المسلمون، فقد عانوا من اضطرارهم لتغيير تحالفاتهم، وبالأخص مع وبعد الاتفاق السياسي. الأوضاع الإقليمية وضعتهم في زاوية مناورة ضيقة. 
- التيار السلفي من أكبر المستفيدين من الوضع الراهن، وحاجة أطرافه للتحالف معه واستخدامه، بالرغم من اتفاق الكثير على خطورته المستقبلية

----------------
* سفير ليبيا السابق لدى السويد