Atwasat

معذور!

صالح الحاراتي الأربعاء 04 أبريل 2018, 09:36 صباحا
صالح الحاراتي

هذه المرة أريد أن أحسن الظن بأهلي سكان المربع الجغرافى المسمى ليبيا. خاصة والأزمات تنهال عليهم من كل جانب.

وقبل أن أخوض فى حسن الظن هذا، أؤكد باعتراف صادق أنني لست فى حالة "انغماس تبريري"، بل كل ما في الأمر أنني محب وبحسن نية ألتمس لهم العذر فيما يفعلونه بأنفسهم من عبث وفوضى وعشوائية.

وأول موجبات العذر أنني وجدت في معاجم اللغة أن كلمة مَعْذُورٌ..ومَعْذُورَةٌ - والجمع مَعْذُورُونَ، مَعْذُورَاتٌ. (اسم مفعول مِن: عَذَرَ)، "أَنْتَ مَعْذُورٌ لِأَنَّكَ لَا تَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ" ومَرْفُوعٌ عَنْكَ اللَّوْمُ.

والخلاصة أن المعذور هو من لا يعرف الحقيقة، ومن معذور هذه ذهبت للقول أن طينة البشر واحدة، وأن ما يسري على غيرنا من البشر يسري علينا، وشواهد التاريخ تؤكد ذلك، فالملاحظ أنه لا توجد ثورة أو تغيير جذري في أي مجتمع بشري إلا وسادت فيه مرحلة من الفوضى والانفلات، وساد فيه الهرج والمرج والعشوائية، وأحسب أن ذلك من طبيعة الأشياء عند تفكك منظومة الدولة المالكة للسلطة القاهرة.

ولهذا قلت إنني ألتمس العذر لأهلي لأنني أظن أن معظم السلوكيات البشرية المذمومة هي أمور مكتسبة، أي تحت تأثير البيئة والنشأة والتربية والثقافة المورثة وأسلوب الحياة والمعاش السائد، وانعكاس كل تلك العوامل على سلوك الإنسان الفرد.

وبما أن حياتنا كانت عبارة عن سجن كبير، مليء بظلم الفقر والجهل والمرض ناهيك عن ظلم السجان. كل تلك العوامل أفرزت نتائج غير محمودة اكتوينا بها بعد تغيير فبراير.

نعم، إنساننا معذور لأننا لم نشهد في تاريخنا أي محاولة حقيقية لتأسيس مجتمع مدني يحترم فيه الآخر، وتحفظ فيه الكرامة الإنسانية، ولم نعرف في تاريخنا إلا نظم حكم جائرة وقمعية توالت على بلادنا مارست كل درجات الظلم، فغاب عن واقعنا التعامل الحكيم المتسامح مع التغيير الذي حدث.

إنساننا محاصر منذ نشأته بمسلمة عبادة الفرد الزعيم وثقافة المديح، وتجنب النقد الإيجابي المسؤول الشجاع، وحدث أن ترتب على ذلك أحادية في الرؤية وترسيخ لثقافته الموروثة الإقصائية، سواء كانت سياسية أو دينية، وتربت أجيال على حلم وهمي فحواه أننا وجدنا الحل الجذري لمشاكل البشرية، وأننا خير أمة وأفضل شعب، وترسخت تلك الأوهام من خلال أعلام زيف حقيقة أوضاعنا تحت شعار العروبة تارة والدين تارة أخرى، فتسلل إلى النفوس الاستعلاء الوهمي والكسل عن تحمل مسؤولية أعمالنا، بحيث وجدنا في شماعة المؤامرة الكونية ملجأ للهروب من مواجهة حقيقتنا، ناهيك عن نظام تعليمي عمق ثقافة الشعارات وخلق آفة قاتلة تمثلت في عقلية النقل لا العقل، كل ذلك ساهم في حالة الغياب عن التعامل مع الواقع بشكل إيجابي.
التاريخ لم يذكر ثورةً اتسمت بنجاحٍ سلس، واحتمال النجاح قد يتساوي مع احتمال الإخفاق.

بالطبع كانت أحلامنا كبيرة وأظن أنه ليس من حق أحد أن يطلب منا ألا نحلم، نعم غفلنا ولم ننتبه وكان علينا ألا نحلم وننسى الاحتمالات المتصادمة مع أحلامنا وأمنياتنا، حتى إذا حدثت هذه الاحتمالات نكون على استعداد للتعامل مع الواقع المستجد، ولكن رغبتنا الملحة في الخلاص من الاستبداد دفعتنا إلى الغفلة وعدم الانتباه.

نعم، إنساننا معذور ويعاني خيبات الأمل وانحراف المسار عما تمناه. وذلك لا يعني أبدا أنه سيء بالضرورة!.
فمن هو على قيد الحياة اليوم يحمل ويعاني تبعات عقود وربما قرون من الاستبداد الديني والسياسي والاجتماعي، ولا شك أنه سيتعافى وأن التجربة خير معين له، فبدون الممارسة لن تتضح لنا سؤاتنا وعلاتنا.

إنساننا معذور لأنه يحضرني عامل آخر أظنه يفعل فعله بشكل لا يثير الانتباه وهو عامل الجغرافيا ودورها أيضا، حيث موقعنا الجغرافي - كان (ممر عبور) لهجرات كثيرة، وذلك ساهم في عدم الاستقرار لتأسيس مجتمع مستقر إلا فى محطات قصيرة وبقع جغرافية محدودة في هذا الوطن المترامي الأطراف، وإذا اجتمعت الجغرافيا مع تعاقب نظم لا تعرف إلا القهر والعنف والإذلال عنوانا، وحتى لا نذهب بعيدا نستحضر من الذاكرة القريبة مرحلة العثمانيين والاستعمار، وأخيرا الظلم باسم الدفاع عن الدين والظلم باسم الوحدة والظلم باسم التقدمية..إلخ.

لقد انتشرت على وسائل التواصل صور لمرحلة قديمة من تاريخنا في العهد الملكي، وفي ظني أن الحسرة على ذلك الماضي هي الدافع لنشر تلك الصور كنوع من النوستالجيا ولكني أراها تؤكد أننا على استعداد مثل أي بشر لنكون منضبطين ومنظمين ومدينيين وحضاريين، ولكن تلك المرحلة كانت قصيرة ولم تتعمق في الذاكرة الجمعية، ولهذا تلاشى ذلك الاستعداد من أول معول هدم جاء به النظام التالي الذي رفع شعار "الخيمة انتصرت على القصر"، والذي صار عنوانا لسياسة وتوجهات ذلك النظام.

لقد مارسنا فيما مضى جلد الذات حتى الانسحاق، واليوم نحن بحاجة لأن نعذر بعضنا بعضا ونفكر جديا في زرع بذور الثقة بأنفسنا، والخلاص من ثقافة الكراهية كخطوة أولى لتجاوز ما نحن فيه من صراع عبثي.
أعلم أن التغيير يحتاج إلى الكثير من دور الدولة المفقودة الغائبة، وأيضا إلى جهد ثقافي مكثف لتغيير ما يحتويه العقل الجمعي من مخلفات وكل ذلك وغيره يحتاج إلى جهود مخلصة من أهل الفكر الذين لا تخلو ساحتهم من سلبيات الماضي للأسف.

وإذا كانت رغبتنا وغايتنا هي بقاء ليبيا وطنا موحدا، فلا سبيل أمامنا إلا التسامح كخطوة أولى لجمع هذا الشتات القائم، واعتبار أن ما نشهده اليوم هو دروس عملية ومكثفة وقاسية ودموية في السياسة، حتى نتيقن بسوء ما يختمر فى عقولنا منذ قرون لنحررها من خطيئة "التغلب" الراسخة، وليحل محلها اليقين بحتمية وضرورة تداول السلطة وجعلها من مسلماتنا وبديهياتنا..

وكلما قل عنادنا الطفولي تسارعت بنا الخطى للسلم المجتمعي ووفرنا الوقت وقللنا فاتورة الدماء.