Atwasat

(ماما.. ميا )

محمد عقيلة العمامي الإثنين 02 أبريل 2018, 09:38 صباحا
محمد عقيلة العمامي

قابلت في فندق ماريوت بالقاهرة صديقا إيطاليا لم أره قبل فبراير2011. قال لي في معرض حديثه: "لولا قلم الكاتب (ماتزيني)، وسياسة (كافور) وقيادة العسكري (جاريبالدي) لما قامت دولة إيطاليا الموحدة، وبلادكم في حاجة لمثل هؤلاء الرجال"، ثم استطرد من بعد أن أسهب بعيدا وقال بخبث التاجر الذي يريد أن يقول ولا يقول: "لو يظهر لكم أحد من الاثنين الآخرين سوف يتعدل ميزانكم"، فسألته: "من هو هذا الذي تعتقده أحد الثلاثة". ضحك وقال: "لن أقول لك. أنا في طريقي إلى طرابلس فلا تفسد أعمالي. هيا بنا إلى مطعم الفندق، فلقد أكلت البارحة طبق سباغيتي (اوليو، اليو، بيبرشيني) رائع "أجبته: "قد لا تعرف أنه صار طبقا مفضلا لعائلات ليبية كثيرة: خمسة فصوص ثوم، وقرنا فلفل حار، وشوية زيت زيتون وعرق ريحان. هذا ما تبقى في متناول معظم الليبيين. البركة فيكم لقد جعنا بسبب سياستكم، ولكن نشكركم على كل حال على ابتكار هذه الوجبة وتعليمها لنا، ولكن ورأس أمك لن أتناول إلا (ستيك سلمون) في الفرن مع سباغيتي بفواكه البحر، وكل أنت سباغيتي الثوم والفلفل والريحان".

(برونو) رجل أعمال إيطالي مثقف جدا، له قدرة عجيبة على خلق فرص العمل وتكوين الصداقات، وفوق ذلك مثقف وخبير، ويملك مفكرة رجل أعمال، أسماها (الكتاب الأسود) لأنها تحوي أسماء المرتشين الذين تعامل معهم. وبقدر ما كان يسعى بكل السبل إلى الكسب، كانت العلاقات الإنسانية واضحة جدا في تعاملاته، كنت أعرف أحد الشرفاء الذين تولوا شركة استيراد كبيرة لم يتلوث أبدا، وظل حتى وفاته نظيفا عفيفا، ولكن بعض العاملين معه دبروا مكيدة وأزاحوه من ترأس الشركة، فتأثر كثيرا لدرجة أنه فقد ذاكرته مبكرا. كان (برونو) شاهدا على نظافة يده وعفته، وما ألم به، فما كان منه إلا أن خصص مرتبا شهريا لأسرته لمدة طويلة.

كان برونو قد احتفى بي أثناء زيارتي له في إيطاليا، ووقفت على الرفاهية التي يعيشها. وفهمت منه أن مصدرها ليبيا فلقد جاءها فني صيانة آلات، مثلما قال. سألته في معرض حديثنا، من بعد نقاش طويل حول قراري بتقاعد مبكر، قلت له: "إنك ثري جدا الآن، وما زلت تلهث وراء المال، وأنا أعرف أنك تحب التاريخ وقاريْ جيد له، وصدقني أنا لم أقابل (طلياني) مثلك استوعب وفهم هيمنجواي، وكازناتكس وشتاينبك. لماذا لا تتفرغ لكتابة مذكراتك؟ أو تكتب كتابا إرشاديا لتجار بلادك تخبرهم عن أفضل السبل للتعامل من الليبيين والثراء السريع، ثم أخبرني ماذا ستفعل بهده الأموال التي كدستها؟" واستطردت ساخرا: "وأنت تعلم أن زوجتك سوف تنتقم منك بعدد ما فعلته من وراء ظهرها". أجابني في لحظة تجلٍ: "الثلث وهبته في وصيتي للكنيسة، فأنا أريد موضع قدم هناك، ولابد من إيجاد وسيلة ما، والثلث لأسرتي، والثلث الباقي لن أترك منه ليرة لا أنفقها على كل ما أقتنع به، بما في ذلك الإنفاق عليك أيها المتسول، المتشرد سليط اللسان. هيا بنا إلى المطعم وأنا على يقين أنها صدقة غير مقبولة".

من ( برونو) عرفت أن عمر دولة إيطاليا الموحدة لم يتجاوز 148 سنة، لأنها قبل سنة 1870عبارة عن مجموعة دويلات متناحرة. وكان لقيادة العسكري (جاريبالدي) الفضل في طرد الأجانب وتوحيد إيطاليا، والغريب أن تاريخ ثقافة إيطاليا يعود إلى 500 سنة قبل الميلاد وشعاع عصر النهضة الأوربية أشعلتها مشاعل إيطاليا في العصور الوسطى القديس (توماس أكيناس) ودانتي، ثم تلاهما ليوناردو دي فنشي، ومايكل آنجلو، وماكفيلي أثناء عصر النهضة.

الإيطاليون شعب عجيب مفتون بالحياة، يستمتعون بحياتهم في مراحل أعمارهم كلها، سريعو البكاء وسريعو الضحك إن أحبوا وإن كرهوا. لا اعتدال في حياتهم، فالحياة هي المفعمة بالبهجة بدون قيود، ولا تجد إيطاليا واحدا قد ينتقد قبح امرأة، بل يجد لها بالتأكيد ما يتغزل فيه ويرفع معنوياتها، إنه يرى أنه مخلوق ليغتبط ومن واجبه في الحياة أن يغازل الأنثى، ويحكي أن طليانيا دخل صندوق هاتف عمومي في لندن، ثم وقف حائرا، فسأله جنتلمان إنجليزي عما يحيره، أجابه إنهم يطلبون مني أن أمسك التلفون باليد اليسرى وباليمني أختار الأرقام، فسأله الإنجليزي وما الصعوبة في ذلك فأجابه: "يداي الاثنتان مشغولتان، فكيف يتسنى لي أن أتحدث؟". فمن منكم شاهد طليانيا لا تتحرك يداه وهو يتحدث، في أي موضوع كان.

لديهم القدرة العجيبة، على الخلق والإبداع، وليس هناك مثال أبسط من تنوع أطباقهم، منذ فترة وقع بيدي كتاب طهي إيطالي يحتوى على 500 وصفة لإعداد طبق المكرونة، وبدأت في ترجمته، ولكنني تركته هناك قريبا من المطار، عندما لعلع رصاص مقاتلي بادي وهم في طريقهم إليه. تصوروا 500 وصفة للمكرونة، وبمقدور أية سيدة إيطالية أن تعد لك وجبة بقطرة زيت وقرن فلفل وثومتين، بنفس القدرة التي تعد بها خروفا كاملا، فتقدم لك المشوي والمطبوخ والمقلي، ثم تفاجئك بطبيخة فاصوليا بالكرشة، وكسكسو بقوائم الخروف، ومع أنهم احتلونا قرابة أربعين عاما، لم نتعلم منهم سوى (المبكبكة) ونوع رديء من (الجرابا).