Atwasat

الدعوة إلى انتخابات متأخرة

سالم العوكلي الأحد 01 أبريل 2018, 12:37 مساء
سالم العوكلي

بعد حديث طويل طويل عن "الاتفاق السياسي" وضرورة التمسك بالاتفاق السياسي، وحتمية الاتفاق السياسي، ولا حل غير الاتفاق السياسي - مع أن كل المعطيات تقول إن هذا الاتفاق السياسي ضرب في الحائط بكل قوته، وأنه بني على زيف، وما بني على زيف فهو زائف. غير أن العالم المرتاح والذي لا يريد أن يتعب نفسه في البحث عن جذور المشكلة لا يملك إلا أن يتحدث عن احترام الاتفاق السياسي، حتى وإن كان لا يحترم الليبيين المعنيين به، وحتى وإن لم يحترمه من دبجوه ووقعوا عليه واحتفلوا به. تحول إلى طوطم يسبح بحمده الجميع، أقصد جميع المهتمين وغير المهتمين بالشأن الليبي من المجتمع الدولي، ففي كل جلسة إحاطة لمندوب منظمة الأمم المتحدة، السابق والأسبق واللاحق، يتحدث أعضاء مجلس الأمن، الدائمين والطارئين، بنفس الكلمات ونفس الرطانة "لا بديل للاتفاق السياسي وندعم الاتفاق السياسي". لأن أسهل ما يمكن أن يقال في مثل هكذا حال هو الذي يجب أن يقال بغض النظر على صلته بالأزمة، بل حتى الدول التي تتحارب على الأرض الليبية وتقف وراء إرباك هذا الاتفاق غير المتفق عليه لا يمكن لممثليها حين يجدون أنفسهم خلف المايك إلا أن يصرحوا بدعمهم للاتفاق السياسي واحترامه واعتباره المخرج الوحيد في أرض ليست فيها مخارج للطوارئ ولا مخارج للنفايات. في أرض كأنها كهف لا يوجد بها سوى باب واحد هو "الاتفاق السياسي"، أو بئر لا يُرى الضوء فيه إلا من خلال كوة واحدة، أو مقبرة لا يوجد فيها سوى مدخل ومخرج واحد.

هذا الاتفاق السياسي الذي لم يكن ينقصه سوى الاتفاق تحول إلى نص مقدس يصعب حتى تعديله في حين عدلت كتب مقدسة، زاد من استفحال الأزمة وأوجد أجساما جديدة متطفلة زادت طين الفوضى بلة، وأصبح سدا منيعا أمام كل مبادرة محلية مقترحة لأنها تشوش على قداسته.

بعد... كل ذلك، توقفت أغنية (الاتفاق السياسي) وتراجع ترتيبها في التوب تن، وظهرت أغنية جديدة بألحان وكلمات جديدة، اسمها "الانتخابات".

نعم كانت الانتخابات هي النغم الليبي الجميل الذي ملأ الساحة بعد سقوط النظام، لدرجة أن الولع بالانتخابات جعلنا نمارسها في مؤسسات لا تجري فيها انتخابات حتى في الدول التي مارست الديمقراطية ولعبة الصندوق منذ قرون (انتخاب رئيس جامعة بنغازي على سبيل المثال). انخرط الليبيون في هذه اللعبة الجديدة بكل ما أوتوا من عطش تاريخي لها، والتقطوا صور السيلفي مع أصابعهم المغموسة في الحبر البنفسجي، وأفرزوا نواباً يمثلونهم، ما لبثوا أن صبوا عليهم اللعنات والشتائم حين اكتشفوا خواءهم.

صُدم الليبيون في اختياراتهم التي كانت محمولة على متعة الانتخابات في حد ذاتها دون التفكير في نتائجها أو في نتاجها، مثل كل الألعاب الشعبية التي كنا نمارسها بمتعة دون أهداف أو نتائج مسجلة (كر الحبل وتخطي الجرد مثلا) التي حرص النظام السابق على إحيائها وإدخالها دائرة التنافس في اللعاب الأولمبية، لأنها تناسب مجتمع الجماهير: دون أهداف، ودون استعداد أو تمارين، ودون جمهور، ودون قوانين، ودون حكام أو مدربين، ودون جوائز، ودون نجوم، ودون كل شيء. مثلها مثل تلك الانتخابات التي لعبناها بغبطة ثم أوينا إلى بيوتنا في انتظار يوم جديد لم يأت حتى الآن.
تعود الآن أغنية "الانتخابات" ويعود موسمها متأخرا سنوات، لكن هذه المرة الأغنية غير شجية وغير مطربة، بل إنها تثير المخاوف بقدر ما كان الاستبداد يثير المخاوف. ومن جديد يصر المجتمع الدولي على دعوته الليبيين إلى انتخابات (متأخرة) للخروج من الأزمة، وكأن مهندسي الأزمة الفاعلين لا يعملون ضد هذا المبدأ، وكأن ثمة تحسنا حدث على الأرض يجعل الانتخابات النزيهة أو غير النزيهة ممكنة. بل إن ما يجعل هذه الأغنية حزينة أن الانتخابات لابد أن تجري بعد الاستفتاء على الدستور، الدستور البائس التعيس الذي لا يرقى حتى لمستوى مادة الثقافة السياسية التي كانت تدرس في المرحلة الإلزامية، دستور يضعنا بين خيارين أحلاهما مُرٌّ، فإن لم نوافق عليه سنعود للمربع الأول، وإن وافقنا فسنعود لدولة القرون الوسطى التي يحكمها اللاهوت المقدس وغير المقدس.
أما قانون الانتخابات فهو مطب آخر في أرض المطبات، فلقد ذاق الناس مرارة وخبث قانون الانتخابات السابق الذي تلاعب به تيار يريد الوصول إلى السلطة ولو بما تبقى من فتات الكسور العشرية والمئوية، وهذا الفتات الانتخابي هو الذي فتت المشهد الليبي حتى لحظتنا الراهنة، لذلك لن يكون التوافق على قانون انتخابات سهلا إلا بقدر توافق عصابة لصوص على قانون انتخابات.
لُدغ الليبيون بالديمقراطية التي لم يتذوقوا طعمها في تاريخهم، وصار للأسف كفرهم بها علنيا، وانزاح جنين الديمقراطية أمام تيار صغير يُكفِّر الديمقراطية وتيار كبير يكفر بالديمقراطية. لُدغ الليبيون من الجحر نفسه، مرات ومرات، لأن من يدير اللعبة في الواقع هو السلاح المغموس في الدم، لا الإصبع المغموس في البنفسج، صناديق الذخيرة لا صناديق الاقتراع، أصوات الرصاص لا أصوات الناخبين، ولأنهم لدغوا أكثر من مرة تفجر فيهم حنين تراجيدي للاستبداد من جديد، طالما الاستبداد قادر أن يوفر لهم الخبز والحظائر الآمنة من الذئاب المجتمعة والمنفردة.
يظل السؤال حين تصمت الأغاني : إذا كان الاتفاق السياسي أكذوبة، وإذا كانت الانتخابات المتأخرة شبه مستحيلة، وإذا كان الجيش لا يستطيع أن يبسط نفوذه على أرض لا يستطيع الجيش الصيني بسط نفوذه عليها، فما الحل؟ نعم سؤال صعب ومربك يجعل كل ما كتبته يذهب نحو العدمية.

غير أن ثمة بدائل تطرح بخجل في الداخل الليبي للخروج من الأزمة ولتدفع عني تهمة العدمي:
ــ العودة إلى الشرعية قبل الانقلاب العسكري وتفعيل آخر دستور معدل وفق متغيرات ومتطلبات المرحلة.
ــ مبادرة عمداء البلديات بخصوص تكليف المجلس الأعلى للقضاء كأعلى سلطة تشريعية وتشكيل حكومة تكنوقراط موحدة لإدارة شؤون البلاد لمدة سنة وتجهيزها للاستحقاق الدستوري وإتمام المسار المدني وفق الدستور.
ـ ما جرى من محاولات لتفويض المؤسسة العسكرية وقياداتها لمرحلة انتقالية تجهز البلاد لانتقال ديمقراطي.

وأذكر هذه البدائل لأنها تنبع من الداخل الليبي بكل ما عليها من اختلافات وتحفظات. ومن حقيقة أن الأزمة لن تنتهي في ليبيا مادامت كل الوجوه التي صنعتها هي التي تتصدر المشهد، وهي التي تقف عثرة أمام أية باردة انفراج .
غير أن الأمور في مجملها يجب أن لا تستبعد أن تعود الأغلبية الصامتة إلى واجهة الحدث، وأن تعود الميادين للاحتجاج من أجل كنس كل من يعرقلون التوافق وبناء الدولة، لأنه ليس في صالحهم . وهذه المرة لن يلدغ الليبيون مرة أخرى إن تمتعوا بذاكرة نشطة ، وبما ينفرد به الإنسان كونه لا يقع في نفس الفخ مرتين كما تفعل الدواب والفئران التي تُصطاد بالطريقة نفسها منذ ملايين السنين.