Atwasat

رحيل المحاماة الليبية!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 27 مارس 2018, 12:57 مساء
أحمد الفيتوري

بغض النظر عن متى بدأت مهنة المحاماة الليبية، هل منذ (دفاع صبراته) الشهير في العهد الروماني أم في نهاية القرن التاسع عشر مع محاكمة أول تنظيم سياسي ليبي سري، فإن الجيل المؤسس لهذه المهنة حديثا هو هذا الجيل الذي منه عبد الله شرف الدين وسليمان الفيتوري اللذين توفيا في يوم واحد هو الأحد 25 مارس 2018م، وقد يكونان من آخر من رحل من ذا الجيل.

الجيل الذي تداخلت مهامه حتى بات في مقدمة المؤسسين، فالمحاماة غدت المهمة التي تشمل حماية القانون، كما المشاركة في إصداره، كما حماية الحقوق، كما حماية المواطن والمواطنة، ومن هذا مسألة أن تكون محاميا أضحت عندهما تعني أن تكون وطنيا، وهذا جعل من المحامي سياسيا بمعنى ما.

نقيب المحامين عبد الله شرف الدين
(بناء على قرار من الأمم المتحدة تقرر استقلال ليبيا، وفي أكتوبر 1952م تكونت الحكومة الليبية تحت التاج الملكي لإدريس السنوسي، وصار لليبيا سفارة في مصر كان مقرها بمنطقة الدقي، نفس المنطقة التي يقيم بها صاحبنا حيث استدعي إلى مقر السفارة في حوالي سبتمبر 1953م، من قسم شئون الطلبة الذي كان يتولاه الرجل الطيب المرحوم مبروك الجباني، حيث أبلغ صاحبنا أن الحكومة الليبية قد قررت مساعدات للطلبة الليبيين الجامعيين الموجودين في مصر، وقد تقرر مبلغ عشرين جنيها شهريا لكل طالب جامعي منتظم في دراسته، وسلمه مبلغ عشرين جنيها عن شهر سبتمبر وعشرين جنيها لشراء الكتب وطلب إليه الحضور كل نهاية الشهر لتسلم هذه المساعدة.

الواقع أن صاحبنا قد تأثر تأثرا بليغا بهذه البادرة الرائعة، وكانت دموعه تنهمر وهو في طريقه إلى حجرته في السطوح، وعاهد نفسه أنه سيبذل كل مجهوداته وحتى التضحية بحياته ليرد لهذا الوطن الغالي بعض فضائله.).
هذا جاء في مذكرات المحامي عبد الله شرف الدين التي صدرت عام 2011م تحت عنوان (مغامرات مخلوق من "أيها الناس")، الناشر مؤسسة المختار بالقاهرة، وقد صدرت طبعة بالانجليزية.

كأنما هذا الالتزام أمام النفس هو النهج وقد نهجه -(صاحبنا) كما يسمى نفسه في مذكراته- فأصبح محاميا ثم ناشرا يصدر الصحف وحزبيا بعثيا فمناضلا من أجل حقوق الإنسان في الوطن، وضد الميز العنصري دوليا حيث أنه غدا (رئيس المنظمة الدولية لمناهضة جميع أنواع التمييز العنصري).

سرديات تاريخ البلاد كما سرديات حياته تزخر بمفهوم أرنولد تويني لـ (التحدي والاستجابة) للحظة التاريخية التي عاشها لقرن من الزمان تقريبا (رحل عن 94 سنة)، مذكراته زاخرة بتفاصيل ونمنمة هاتيك الحياة العريضة العميقة الجذور في الحياة والتاريخ والوطن، حياة كما يجب وحياة أن نكون أو لا نكون، الفقر المتعسف وغنى النفس الوثابة.

لم يكل لم يمل ولم يركع بل اتخذ من النخلة كما البحر أن تكون الروح، أصبح عصير العمر الحرية ما شرب حتى الثمالة، درسٌ في الحياة وعبرةٌ لمن اعتبر، في صحراء الحياة قطرة الماء والواحة السامقة من هز النخلة فتساقط الثمر.
عبد الله شرف الدين ثمر الحقوق، الإنسان الليبي كما يجب أن يكون الإنسان.

سليمان الفيتوري المحامي
رجل القانون العادل، محامي العدالة ضد القانون الجائر.
الذائد عن الحق وعن أصحاب الحقوق، الحقوقي الذي واجه الظلم في حال عمت الظلمة.
في المحاكم صال ورفع القضية ضد أزلام الظلام، مثل أحمد إبراهيم حين كان وزيرا للتعليم ثم وزيرا للإعلام قارعه في المحاكم. كما قارع النظام الملكي، فهو رجل قانون صلب ورجل مجتمع رؤوف رحيم.
لم يعرف السياسة إلا كقانون ولم يعرف القانون إلا كعدل، كما لم يعرف الوطن إلا كوطن للقانون العادل.
في ساحة المحكمة تحت مظلة القانون يوم كان القانون العدل، وفي ساحة المحكمة يوم تسلط الديكتاتور، وفي ساحة المحكمة تحت راية الحرية صال وجال شابا والشيخ الشاب.
لم يرهب ولا خاف ولا تقاعس، هذا المشاء من يعرف ما يكون حين لم يعرف... عرفته في أول العمر حين كان في آخره هو صديق أبي قبل وصديقي بعد، صاحب الرأي ما اختلفنا حوله وفيه، لكن الاختلاف تحت مظلته أن تكون صاحب الرأي هو صاحب الرأي الآخر، تلميذ فولتير من أخذ عنه وحسب الذود عن الرأي الآخر.
سليمان الفيتوري قرين الحرية التي منحته أن يكون.
سليمان الفيتوري كتب أراءه بجراءة قل مثيلها، وقال ما رأى حين كان ولا زال الرأي جلاب مصائب.
وبقي عفيف اللسان واليد حين عدت العفة غباء.
عاش في الظل حين كانت المحاماة غيمة أضواء ومستنقع مال، وسلطة وسلاطة لسان.
حسبه أنه سار على الدرب حين عز الرفقاء.
وأخيرا وليس آخر.

رحل سليمان الفيتوري مع النقيب عبد الله شرف الدين رحل المحاميان الليبيان معا تاركين المحاماة والقانون ووصية هي حياتهما!. فهل ستكون المحاماة كما كانت ملاذا وعرينا ضد من ينتهك الحقوق؟. هما كانا جوابي ليبيا وقرارا صدح بالحرية التي لن تخبو حيث تكون المحاماة كما كانا.