Atwasat

فيها.. سم قاتل!

حمدي الحسيني الخميس 15 مارس 2018, 12:33 مساء
حمدي الحسيني

«اطلبوا العلم ولو في الصين»، هذه المقولة التي طالما رددها أجدادنا وأباؤنا على مسامعنا لحثنا على طلب العلم أينما وجد حتى لو كان في بلاد بعيدة مثل الصين، لكن الآن وبعد أن صوَّت أعضاء البرلمان الصيني مؤخرًا على تعديل الدستور ليصبح « شي جين بينج» رئيسًا للصين مدى الحياة، فإنني أتعهد برفع هذه المقولة من الخدمة وعدم ترديدها على أبنائي، ومراجعة انبهاري بالتجربة الصينية برمتها سواء في التنمية أو الإصلاح.

قبل القرار الأخير، كنت أصنف الصين من الدول التي أفلتت من طابور العالم الثالث الذي يقوده حكام مستبدون يتمسكون بالسلطة مدى الحياة، لكن جاء قرار البرلمان الغريب ليعيدها مرة أخرى إلى جانب رفاقها من جمهوريات الموز!، ومن ثم فإنني أتحسب من الديمقراطية الصينية لأن فيها سمًا قاتلاً!.

لقد ظلت الثورة الصينية وزعيمها «ماوتسى تونج»، واحدة من أهم التجارب الإنسانية والسياسية المهمة في القرن العشرين، بما تضمنته من تفاصيل للصراع الطبقي والتحديات التي عاشتها في إطلاق طاقات شعوبها للإبداع والعمل في كل مجالات الحياة لبناء الصين الجديدة، كما أبهرنا أحمر الشرق، بتحرير الإنسان الصيني من ربقة الرأسمالية المتوحشة التي ظل أسيرًا لها طوال أكثر من 2500 سنة، ثم وحد البلاد تحت راية وطنية وبنى جيشًا عملاقًا واقتحم مجالات الفضاء وامتلك السلاح النووي، وظل أهم إنجازاته هو إخراج المواطن الصيني من القمقم، في حين جاء قرار البرلمان الأخير ليهدم كل شيء ويعيد العبودية مرة أخرى إلى الأمة الصينية.

لم تقف الحدود حاجزًا بيننا وبين التأثر ببريق الثورة الصينية، وتداول العرب قصص النجاح المتواصلة للمارد الصيني، ورأى البعض في شخصية زعيم الثورة الصينية صورة الدكتاتور العادل الذي يتوق إليه الكثير من العرب حتى اليوم، فحجم التحدي والنجاح الذي حققه الشعب الصيني تحت قيادة «ماو»، كان محل إعجاب وتقدير أغلب الشعوب التي سحقتها الرأسمالية، وحرمتها الإمبريالية من الاستمتاع بثرواتها الطبيعية.

إشعاع الثورة الصينية، لم يتوقف تأثيره على الصينيين وحدهم، بل امتد إلى معظم أنحاء القارة الآسيوية، فخرجت منها النمور التي أدهشتنا بسرعة تطورها الذي وصل حد المعجزات، فمن سنغافورة إلى ماليزيا ومن كوريا الجنوبية إلى تايلاند، وبفضل تلك الثورة أيضًا ودعت شعوب عديدة عصور التخلف والفقر وحجزت لها موقعًا مميزًا بين الاقتصاديات الناهضة حول العالم.

تأثرت مثل غيري من أبناء الريف المصري بصلابة الشخصية الصينية، وكنت من المعجبين منذ صغري بكفاحهم المرير في مواجهة القوى «الإمبريالية» المتربصة بهم، وما زلت أذكر تلك القصص الإنسانية المدهشة التي دأبت على نشرها مجلة الصين اليوم الملونة التي توزع في مصر بأسعار رمزية، ورأيت أن ذلك كله كان ثمار تلك الثورة العظيمة التي أنصفت الريفيين ونقلت أبناءها من حالة الفقر والتخلف إلى الحداثة والتطور.

إذا كان قرار البرلمان يعكس إرادة الحزب الشيوعي الحاكم، فأين إرادة الشعب الصيني الذي يتجاوز تعداده مليار ونصف المليار نسمة؟ خاصة أن لجنة تطهير الفساد بالحزب دانت العام الماضي نحو مليون ونصف المليون من قادة الحزب بالفساد والتربح، وهذا يعني أن الحزب يحاول إصلاح نفسه بنفسه، ويعني أيضًا أنه يواجه أزمات داخلية طاحنة، مما يعرض قراراته للتشكيك والشبهات، بما في ذلك قرار البرلمان المثير للجدل، فمهما كانت براعة وعبقرية الرئيس الصيني الحالي، ومهما كان حجم ما قدمه من عطاء، فإن بقاءه في هذا المنصب للأبد يعد سُنة سيئة وانتكاسة لأبسط القيم السياسية، وتدميرا  للمبادئ الديمقراطية الحديثة.
إن خطورة قرار البرلمان الصيني تكمن في أنه سيتحول إلى نموذج تسير عليه برلمانات دول عديدة كانت تقف متأرجحة بين الاستبداد والديمقراطية.. هذه الدول سوف تحسم أمرها على ضوء القرار الأخير وستختار الاستبداد طريقًا لبناء مستقبلها أملًا في الاستقرار المزعوم!

وكما كان للثورة الصينية تأثيرات إيجابية على شعوب العالم المختلفة، سيكون أيضًا لقرار برلمانها «الرجعي» مخاطر سلبية عديدة سيدفع ثمنها شعوب مقهورة، كانت تحلم يومًا بالخلاص من الاستبداد السياسي، وتتنفس نسائم الحرية وتطبيق مبدأ التداول السلمي للسلطة.. هذه الشعوب التواقة إلى الديمقراطية والحكم الرشيد، سوف تواجه تبعات الصدمة الصينية الصاعقة، وتبدأ مشوارا طويلا من النضال والعمل، ربما يستغرق ذلك سنوات طويلة من الكفاح والعمل الدؤوب.

أتوقع أن يتراجع البرلمان الصيني عن قراره، إن لم يكن اليوم، فلابد أن يحدث ذلك في يوم ما، لأن التجارب السياسية أثبتت أن الشعوب لا تقبل أن تعود عجلة الزمان إلى الوراء، بصرف النظر عن المبررات والدوافع، فمهما حققت الصين من نهوض اقتصادي، ومهما حقق المارد الصيني من تقدم وقوة.. كل هذا النجاح يمكن أن يصبح رمادًا في لمح البصر، لو لم يستند إلى أسس علمية تراعي المنطق ولا تتعارض مع العلم، فإرادة الشعوب دائمًا تكون لها الغلبة، لأنه لا يصح إلا الصحيح.