Atwasat

المخطوفة!

صالح الحاراتي الخميس 15 مارس 2018, 12:19 مساء
صالح الحاراتي

مضى  شهر فبراير وذكرى التغيير الذى حدث في سنة  2011 بسلام، هناك من احتفل وهناك من صب لعناته ولا زالت الذكرى تحرك الجدل المتكرر هل ما حدث انتقاضة أم ثورة أو مؤامرة !! وذلك يعنى أن

الجدل متعلق ومحصور في الماضي ولم يتناول جدالنا ما حدث من إخفاقات وفوضى. بعد أن أغفلنا سؤالا يبدو لي سؤالا مهما يتعلق بالنظر إلى المستقبل؛ كيف نعيد بناء دولتنا ونظامنا السياسى المأمول ونتشبت بحلمنا؛ حلم الدولة المدنية.هل ابتعدنا عن ذلك الحلم.. الإجابة فى تقديري أن الأغلبية ستقول نعم. انشغلنا بالصراع على السلطة والغنائم والمكاسب الشخصية لأننا لا نعرف السلطة فيما مضى من تاريخنا إلا كونها غنيمة!.

وفى غمرة الصراع خرجت عبارة ترددت كثيرا مفادها  أن الثورة والتغيير المأمول قد تم (اختطافه) وتم تجييره   لصالح اتجاه إقصائي أحادى التفكير متمثلا فى جماعة  يشير البعض إليها بأنها لا تقل إجراماً عن العصابة السابقة بل فاقتها ظلما ونهبا وقتلا... عصابة ركبت الثورة وأجهضت حلمها في إقامة حكم ديمقراطي حر يحقق حياة كريمة يستحقها المواطن بكل تأكيد، ولكن  الخاطف استعان على ذلك بتجربة جماعته في القدرة على تسويق الأكاذيب والخداع واستغلال المشاعر الدينية العميقة لدى الناس وادعاء المظلومية؛ وتم ذلك بمعاونة تنظيم دولي وقوى إقليمية لها مطامعها ومصالحها، استطاع  الخاطف أن يستولي على السلطة وظهر اسم الثورة "المأمورة والمباركة" وبدا للجميع أن اختطاف الثورة بواسطة تلك الحفنة من الأدعياء أمر حقيقي وواقعي وتوصيف دقيق لما حدث.

 ذلك التوصيف  كان له
أسوأ الأثر على تقييم  تغيير فبراير.. هذه الثورة العفوية  التى كانت شعاراتها ضد الذل والاستبداد والعبودية  والمطالبة بالكرامة والحرية وتكافؤ الفرص وسلطة القانون، ولكن وبعد تغول التطرف الديني والجهوي تحول المشهد إلى ساحة من الفوضى، وتحول المشهد إلى ساحة صراع ساهمت فيه قوى إقليمية ودولية. لكن  اليوم و بعد أكثر من سبع سنوات عجاف هل لا نزال في تلك المحطة أم أن المياه قد جرت في اتجاه آخر؟.
 

بظنى أن هناك إيجابيات نغفل عنها ولا ننتبه إلى أهميتها في تغييرالمشهد نسبيا.. منها أن هناك من استمر من الوطنيين في المقاومة وتوجت جهود مخلصة في هزيمة تلك الجماعة وحلفائها ولعل الدليل على ذلك أن آخر اﻻستحقاقات اﻻنتخابية التي تمت "انتخابات مجلس  النواب" لم يحقق الاتجاه الأحادي فيها أي تقدم.. بل وتمت هزيمة الإرهاب في بنغازي وسرت وصبراته.. وسقطت الشعارات المرفوعة يوما ما.. نعم هناك تغييرات إيجابية رغم أن أنصار الدولة المدنية أو التيار المدني المقاوم لم يكن موحدا.نعم كانت الخسائر كبيرة تمثلت في تدمير الكثير من  مقدرات الوطن ونسيجه اﻻجتماعي، ولكن كل ذلك لم يمنع الثبات حتى يعود اأمل بتحقيق حلم الحرية ودولة المؤسسات والقانون.

نأتي  بعدها ومن باب الإنصاف والمكاشفة إلى شيء من قراءة الأحداث وتعيين المسؤوليات لنجد أن ما حدث في مسألة اختطاف التغيير المأمول هو بظني  مسؤولية    مشتركة بين خاطف ومخطوف!!!خاطف متوهم أنه يحسن صنعا متأثرا ومنغمسا في ركام معرفي وموروث ثقافي يظن أنه على صواب مطلق  واختصر رؤيته فيما عرف بـ "اأسلمة" ويرى أن ما يعتقده هو الملاذ المنقذ.. ولم يتبين له أن ذلك الموروث الفقهي البشري نتاج ظروف وأوضاع تاريخية انعكست على الفهوم والتفسيرات التي وصلت إلينا، وغاب عنهم أن أولوياتنا الجديرة بالاهتمام تختلف تماما عن أولويات من سبقنا... فلا  يحتوي موروثنا على مفاهيم تداول السلطة سلميا كمثال.. بل هو مشبع بمفهوم الغلبة والتغلب وجواز البيعة باإكراه وما إلى ذلك من أفكار ساهمت فى توطيد الدكتاتورية وحكم الفرد عبر تاريخنا.

أما المخطوف فأمره يستدعي السؤال المهم الذي ساقه أحد الأصدقاء... كيف تم تمرير وقبول تلك الشعارات الفارغة؛ كيف قبلت جموع الناس تلك الفهوم رغم هشاشتها!؟. وهنا يبدو لي أن الأمر متعلق بأن المخطوف تتبدى فيه  ما يمكن أن نسميه "القابلية للاستعباد" بفعل وتأثير نفس الموروث الذي صاغ عقل الخاطف..

وللحكم على انتقال أي مجتمع من مرحلة البدائية إلى الأنسنة.. ﻻبد من العودة إلى ملاحظة  تجليات ذلك على أرض الواقع. فكما هو معروف أن الإنسان فى تجربة  حياته البدائية حاول التشبه بما حوله وهو في الغابة، حيث وجد فى عالم الحيوان هناك الأسد المسيطر والقرد المسيطر ومسألة الغلبة هي الأصل في طبيعة العلاقة  في عالم الحيوان. ولكن الإنسان تيقن بعد صراعات دموية قاسية أن أمر السيطرة والتحكم فى المجتمعات البشرية ﻻبد أن يكون "تداوﻻ سلميا"، وظهرت حقيقة مفادها (طالما بقي مجتمع  متمسك بخيار القرود والديكة وأيقونة "التغلب" حتى وإن تم تغليفها برداء الدين ستبقى الصراعات دموية.. ولن يتحقق السلام المجتمعي).نعود للسؤال لماذا وكيف استطاعت الفهوم السالفة أن تحدث في عقول الناس كل تلك  القابلية للاستعباد؟بالقطع هناك أسباب عديدة ولكن يحضرنى قول د. مصطفى حجازى:
الإنسان المقهور بالعادة يتنكر لحاضره الذي يكون مرآة تعكس مرارة حياته ومأساته، وبالتالي فهو لا يجد بداً للدفاع عن نفسه إلا بالهروب للماضي، باعتبار الماضي حصن من لا حاضر ولا مستقبل له.
ولأن تجاربنا الماضية مبنية على أساس الغلبة فلا يجد المقهور إلا ذلك النموذج الذي تستدعيه ذاكرته ظنا منه أنه الملاذ والحل.