Atwasat

الجنوب ثعبان يأكل ذيله!

أحمد الفيتوري الثلاثاء 13 مارس 2018, 11:39 صباحا
أحمد الفيتوري

- دفع القرب بين أديان متنافسة على تقاطع طرق إستراتيجي، لعبة تزاوج قائمة على الإغواء والاستغلال، لا تزال تلعب اليوم. فباستخدام لغة عاطفية تخفي المصلحة الشخصية، حاولت كل طائفة دينية أن تغوي قوة أجنبية، وبحثت كل قوة أجنبية عن طلاب حماية محليين مناسبين. وقابلت التدخل الخارجي رغبة داخلية في المزيد من التدخل.

فيليب مانسيل
(ثلاث مدن مشرقية - سواحل البحر المتوسط بين التألق والهاوية - عالم المعرفة 454).

-أخّيه يا تمر فزّان، تِمْرارْ بعد الحلاوة
وأخّيه مِن صاحبك كان بعد المحبة عداوة
غنّاوة رحى

موسم الهجرة إلى الجنوب
مقلوب ما استعرته من الرواية العربية الأشهر (موسم الهجرة إلى الشمال)، الأسم الذي اقترحت أن يكون عنوان سلسلة التحقيقات الصحفية، التي كنت والزميل أحمد الحريري والمصور محمد الساعدي نقوم بها في رحلة مطولة بجنوب ليبيا، هذا الإسم استعاره الزميلان بشير بلاعو وعز الدين عبد الكريم في رحلة مبكرة فيما بعد للتلفزيون الليبي. في سنة 1978م جلنا الكثير من قرى ومدن الجنوب الوسط خاصة إقليم الجفرة، كتبنا عن تفاصيل تاريخية وجغرافيا وبشر وآداب وفنون وقابلنا شخصيات معروفة ومجهولة، ونشر ذلكم بجريدة الأسبوع الثقافي.

لاحظنا أن الجنوب زاخر بالحياة لكنه كما حياة مهجورة: في واحة مدوين عشرات آلاف من شجر النخيل وعين ماء مهدر ولا أحد، بدا وكأن النفط قد سلب الروح. عدنا من الرحلة ليتم القبض عليَّ فور وصولي متهما، مع زملاء لم يتعدَّ عمري وهم في أول العشرينات، بأني حزبي وأستهدف إسقاط النظام والاستيلاء على السلطة!.

عدت إلى الجنوب - بعد خروجي من السجن- عام 2008م حضرت مهرجان غات ثم مهرجان مرزق، والحال تقريبا على ما هو عليه، فقط لاحظت هدر مياه واستنزافا ملحوظا، حيث كنا نمر في أوباري مستخدمين مساحات السيارة كي نستطيع الرؤية من ماء المزارع الذي يستخدم آلات الرش الضخمة، يبدو أن ثمة مشروعا لاستنزاف الجنوب: نفطه، بشره بالهجرة إلى الشمال، مياهه. في مرزق تحدثت في ندوة عن شعب التبو الذي رأيت غيابه وحضور الطوارق، قلت مرزق أقدم عاصمة في التاريخ لسفائن الصحاري وتجارة القوافل لا تذكر حتى في مهرجانها، والتبو من أقدم شعوب العالم لا تراث لهم، كأني ألقيت قنبلة في سكون الندوة والمكان.

عام 2014م قمنا في جريدة ميادين بدورتين صحافيتين ومعرض بمدينتي سبها وأوباري، رفقة الزملاء عبد الرزاق العبارة وفاطمة غندور وخديجة الأنصاري، شاهدت الرايات السود لأنصار الشريعة ترفرف في الشوارع لكن لم نر بشرا.
   
خارج التاريخ داخل الجغرافيا!
جنوب أمريكا، جنوب أفريقيا، جنوب إيطاليا، جنوب لبنان، جنوب السودان، جنوب مصر، جنوب تونس، جنوب ليبيا... في هكذا دول كأن الجنوبية ظاهرة موسومة بسيمياء ما في الجسد والتضاريس وتتمظهر أحيانا في الجيوسياسي البلاد، ثمة جنوب يوصم بالحرب الأهلية كما أمريكا وجنوب السودان ينفصل، أما مصر فالثقل الديني التاريخي والحدودي كما جنوب لبنان والعدو الجار، شمال إيطاليا حامل دعوة للانفصال عن جنوبه فيما جنوب أفريقيا مثقل بتاريخ عنصري ناتج حروب إمبريالية، وجنوب تونس حارق جسده.

كما نرى الجنوب حامل الموضوع ففيه وبه معضل هكذا بلاد، كما ليبيا الجنوبية المسألة، جنوبها المسألة: بطنها الرخو حامل زيوتها، فإمبراطورية الرمل الصحراء الليبية ما تضاريس القارة الليبية في الأزمان الماضية والحاضرة مكمن الثروة، يوم كانت تجارة القوافل والعبيد عاصمتها (مرزق) منذ الحضارة (الجرمنتيه)، كما جاء في كتاب هيردوت الرابع، ويوم استخرج الذهب الأسود في منتصف القرن العشرين، الجنوب الذي يبدو خارج التاريخ هو الجغرافيا التي دونها لا تاريخ.    

جغرافيا الجنوب الليبي بحر رمال وجزر معزولة (واحات)، هذه الجغرافيا مسالك ومسارب للتنقل والترحال (ترانزيت) بين مشرق (مصر لسانها الممتد في آسيا) وبين مغرب القارة الجنوبية وقارة الشمال (أوروبا). أما تاريخ الجنوب الليبي فهو السوط الذي تمسك به المدينة الدولة (طرابلس الغرب) لتجبي المكوس من هذه الناقة الحلوب...

الجنوب الليبي ناقة صالح!
طريق الإبل، سفائن الصحاري، تجارة القوافل التي كما مسرب نمل يمتد من عاصمة القوافل في العالم القديم (مرزق) حتى ممالك البحار كالبندقية وجنوا، حيث تجارة الذهب والنطرون والعبيد كما طريق الحرير في القارة الكبرى آسيا. بهذا كان الجنوب الليبي خيط وصل حين كانت الصحراء قاطع طرق الحياة. وبهذا كان الجنوب ناقة الله معجزة الطبيعة ومدرَ حليب البشر، وفي هذا كانت إيالة طرابلس الغرب بغض النظر عن حكامها هي شكيمة هذه الناقة وأهلها قوم ثمود من يحصدون ما لم يزرعوا.

الجنوب المحصور بجبال أكاكوس وتيبسيتي في الجنوب شكيمته ذاتها المتنفس عند البحر المتوسط حيث السلطة المركزية الواحة الكبرى (طرابلس الغرب)، لكن مزايا الجنوب هذه يضيقها معائبه مثلما شح الماء وضيق أرض الجزر المعزولة والمتباعدة، لهذا فإنها في البلاد حلقة الوصل الطاردة لسكانها إن زادوا عن الحاجة، من ذا فإن سكان الشمال جنوبيو السحنة أو الهوى أي أن مآل جنوبيين كثر الشمال.

حينها مثلت تجارة العبيد تهجيرا قسريا كما الآن، والعقيب منهم يسكن الواحات التي تطرد أهلها إلى الشمال، هذا هو التدافع البشري الأزلي في القارة الليبية الذي أصبح صبح النفط عليه كما مُسكن، فالواحات تحولت لمناطق ترانزيت جديد هو ما تقدمه من خدمات لحقول الزيت (الذهب الأسود). من هذا وغيره كان الجنوب كما الثعبان الذي يأكل ذيله: يفرغ من سكانه بمغنطيس الشمال فيبات الفراغ المحط المؤهل لنازحين جدد، هذا تشخيص الحال للبنية الداخلية من حيث التركيبية الديموغرافية والسيوجغرافية، وما مثله الجنوب كبطن رخوة لجسم الدولة الناشئة.

وهذه البنية الداخلية لم تمثل ثقلا ما لما قبل الدولة زمن الإمبراطورية العثمانية فالإمبريالية الغربية في القرن التاسع عشر وبدء القرن العشرين. لكن مع ظهور مفهوم الدولة الحديث الذي جاءت به الإمبريالية وما أعقبها من حروب تحرير وظهور الدولة الوطنية بأن عوار البنية الداخلية لجنوب البلاد، ناقة صالح مدر ثروة البلاد ليست المدرَ الأزلي لقد تغيرت المعطيات.

ساحة قتال الأخوة الأعداء
هذا الجنوب لم يعد جنوب ليبيا بل ساحة قتال أهل شمال ليبيا، الأخوة الأعداء نجحوا في استثمار الجنوب كساحة للقتال تحت رايات عدة، ودعاوي ما أنزل الله بها من سلطان. فغدا الجنوب مضمارا لحرب ضروس تهدأ لتستعر، وتداعك من أجل الاستيلاء على الجنوب كما أرض مستعادة أو أنها أرض الفوز بالبلاد والعباد. الجنوب أمسى ساحة معركة الاستيلاء على السلطة، ما لم يعد تهمة لكن ما هو المسكوت عنه.

صراع الديكة الذي تبرز شاشات التلفزيون وتتناقله نشرات الأخبار لإخفاء هذه الحقيقة، لتغطية عين الشمس بالغربال: إن ما يدور من معارك لأجل الاستيلاء على الجنوب يستهدف الاستيلاء على السلطة في ليبيا بالقوة، وبرعاية الأمم المتحدة ودعاوي الانتخابات.
نعم صندوق الانتخاب الحقيقي هو ما يدور في سبها والباقيات ذرُّ رماد في العيون.