Atwasat

الانفصال الصحي

د. مها المطردي الإثنين 12 مارس 2018, 11:56 صباحا
د. مها المطردي

إذا امتلأت الأرواح بالكآبة.. وأصبحت الأيام كالجحيم.. واختفت المشاعرالرقيقة وصارت الإهانة هي لغة الحوارات.. وزاد البعد والخلاف وحدث الانفصال العاطفي في الحياة المشتركة.. وأصبحت المناشدة بالانفصال الشرعي هي مطلب كل يوم.. هنا لا طريق لتكتمل الحياة بإنسانية إلا بحدوث الانفصال.. فعندما ينتهي الود ويختفي الاحترام تستحيل العشرة.

سورة كاملة في القران "سورة الطلاق" تمنحنا حق الانفصال وتعتبره عبادة كي لا يزيد الكفر.. والكفر هنا هو كفر العشرة والمعاملة بين العشيرين... ولقصة زوجة ثابت بن قيس مع رسول الله العبرة في هذا.

فما هي الحكمة من أن يمنحنا الله  حق الانفصال حتى وإن كان أبغض الحلال "كما يقولون" فلا آية في القرآن العظيم تذكر البغض؟  الحكمة هي أن ديننا دين كامل متكامل.. منحنا حق الانفصال لأنه يريده المنفذ الحلال لاستحال العشرة.. فبدلا من أن تعيش في نار البغض وكفر المعاملة.. منحك الله الطريق أن تعيش سويا سعيدا في حياة أخرى.

ولكن.. ماهي الآداب لهذا الانفصال؟ وكيف تكون نهاية العلاقات نهاية صحية للطرفين وللأطفال إن وجدوا؟

في لحظة الانفصال بين أي زوجين..هناك خياران.. إما أن يكون التركيز في ما أراد الله من فضل وإحسان.. أو أن يكون التركيز على الأنا.. وحقي أنا ومظهري انا.. حتى ولو كان المقابل أن أدوس بأقدامي وجبروتي الطرف الآخر وأنسى حقوقه في أن يستمر في العلاقة أو أن يتخذ قرارالانفصال.. بل وأحيانا تتعدى على حقوق الأطفال ومصالحهم وكأنك في تلك اللحظة تضع الجميع تحت أقدامك لكي تنتصر تلك الأنا. وسيطرة الأنا يكون فيها ظلم وشعور بالفشل.. فتتهم  الطرف الآخر بأنه السبب في فشل العلاقة والحالة النفسية التي وصلت إليها.. فيصبح هدفك وقتها أن تُكبّده أكثر الخسائر.. أن تجعله يتحسر ولو كان السبيل إلى ذلك كسر الأولاد  والدخول في متاهات الحرام وقطيعة الأرحام والتماسك الضرار لتعتدي.. لا لسبب إلا لأن القوة لك على الضعيف.

لحظة الانفصال.. هي لحظة يظهر فيها كل إنسان على حقيقته وحقيقة أخلاقه.. لحظة إما أن تكون نارا مشتعلة أو أن تكون لحظة الميثاق الغليظ-  إمساك بمعروف أوتسريح بإحسان-.. لحظة تأتي كما هي يوم القيامة.. إما أن تكون عدلا أو بطشا.. فوراء كل آية انفصال هناك حق وتقوى.

فدعونا نتفق على أن الإنسان الذي يريد أن يعيش في سلام وتصالح مع نفسه.. لابد أن يفارق بسلام.. وأن يعرف أن العلاقات إذا كان لابد لها أن تنتهي فهي ستنتهي سواء الآن أو بعد حين.. والشجاعة هي مواجهة هذا اللحظة.. فأي علاقة لا تغذينا عقليا وجسديا وروحيا هي علاقة فاشلة.. وعليه تقبل هذا بروح متأملة متفائلة بالأجمل في ما هو آت.

ولنتذكر أن اللباقة في الحديث الأخير مهمة كأول حديث.. والتحضر يكون في البدايات والنهايات.. لأن النهايات هي التي تُظهر معادن الأشخاص.. ولنجعل علاقاتنا كافة.. علاقات صحية فنتحضر ونرتقي فيها حتى  الفراق.. فيكون فراقنا بالكلام الجميل.. ولنقل خيرا أو نصمت.