Atwasat

ربيع متجدد

محمد عقيلة العمامي الإثنين 12 مارس 2018, 11:39 صباحا
محمد عقيلة العمامي

هذه ترجمة، بتصرف بسيط لفقرة من رواية  الكاتب الأمريكي (إرنست هيمنجواي) عيد متنقل:

"ترنو إلى تساقط أوراق الأشجار، متوقعا أن  تكون حزينا في الخريف، وفيما تتعرى فروعها وهي تواجه الرياح ومواشير برد الشتاء القارص، تنتبه أن جزءا منك  يموت مثل الأشجار كل عام. ولكنك تعلم أن الربيع قادم وأن النهر سيفيض من جديد، غير أن تواصل هطول أمطار الشتاء ورياحه الباردة  تغتال الأزهار؛ فيبدو الأمر كما لو أن طفلا مات دونما سبب".

ولطالما رددنا هذه المقولة الرائعة في أماسينا، الرائعة أيضا. غير أنني  كنت أراها بمعنى يختلف عما أراه الآن. كنت أرها توصيفا جميلا لاستمرار الحياة وتعاقب فصولها، ولم أنتبه أبدا لإحساس هذا الكاتب، الذي قال، في رواية العجوز والبحر: "الإنسان يدمر ولكنه  لا يهزم".  روحي ترفض الإحساس بالدمار، وتثابر ألاّ تهزم.. فلا الخريف يحزنني، ولا رياح الوجع التي تهب بين حين وآخر ممن كنت أعتقد أنهم أصدقاء، أو أولئك الذين وثقت فيهم فخذلوني، ولا افتراء ممن رفعتهم من مهانة. أسير في مواجهة مواشير الشتاء القارص، ولكن بهمة روح ربيعية.

وأتذكر صديقي المرحوم الدكتور رؤوف بن عامر، عندما يدخل مكتبي، ويتهالك فوق كرسيه المعتاد يتفصد عرقا من حر يوليو، ويشكو غالبا من آلام كتفه الليلية؛ فأناكفه: "يا أستاذي وماذا تتوقع أن يحدث لكتف يحمل ثمانين عاما؟" فيجيبني، متبسما: "عندك حق.." ولكنه يستدرك سريعا: "المشكلة أن إحساسي بالسنين توقف في الأربعين.. لا أحس أبدا أنني كهل".

أمسيت مثل الدكتور رؤوف؛ لا أحس أبدا أنني مسرع نحو الثمانين. ما زلت أعتقد أنني ذلك الشاب الذي قفز في نهر (فانتا) المتجمد في هلسنكي منذ أكثر من نصف قرن، تماما مثلما فعلت صديقته (أولجا) وبقية رفاقها، وأخرجوه كلوح ثلج كاد أن يظل كذلك حتى يوم البعث، كان ذلك كله من أجل عيون (أولجا).

وما زلت أحلم بمواسم ربيع متعددة. إنه الأمل المتجدد الذي لا يعترف بأن العالم لن ينتهى برحيل أحد. إنه سر الحياة؛ فمن منا لا يعيش  الحلم، والأمل بالربيع المتجدد. الحلم بذلك هو التطلع الدائم لغد مشرق وضاء عزيز. وليس مثلما تمنى جميل بثينة بشباب جديد: "ألا ليتَ ريعانَ الشبابِ جديدُ ودهراً تولى، يا بثينَ، يعودُ  ** فنبقى كما كنّا نكونُ، وأنتمُ  قريبٌ وإذ ما تبذلينَ زهيدُ".

الفرق كبير بين أن نتحسر عما تولى، وأن نعيش الحلم بوطن جديد ينهض من تحت الركام.. بحياة بهيجة، بسلام ومحبة ووئام. أن تتقبل الحياة كما هي وأن تبحث عن بؤر الضوء وترى الله في الحياة وهي تتجدد، من دون حسرة عما تولى، ولن يعود.. تماما  كشباب المرء.. عش مراحل حياتك مثلما رسمها مبدعها العظيم. عندها لن تقلقك حسرة واحدة.