Atwasat

العامل الأفْعَل في الوضع العربي المعاصر

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 11 مارس 2018, 05:04 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

تاريخ الشعوب في تحرك مستمر، وهذا التحرك قد يكون في اتجاه إيجابي، من وجهة النظر الوطنية المتناغمة مع المباديء الإنسانية العامة، فنسميه عندها "تطورا". وقد يكون في اتجاه سلبي، وأيضا من وجهة النظر القومية أو الوطنية المتناغمة مع المباديء الإنسانية العامة، فنسميه حينها "تدهورا". أحيانا تكون هذه الحركة، في الاتجاهين، بطيئة، وأحيانا سريعة. وغالبا ما تكون بطيئة في التطور ومتسارعة في التدهور. الجدير بالاستدراك أنه ليس ثمة خط حاجز بين التطور والتدهور. إذ يوجد قدر من التدهور في حركة التطور، وقدر من التطور في حركة التدهور. ويظل الاعتبار هنا للصبغة العامة التي يصطبغ بها وضع شعب أو أمة في حراك تبلوره معطيات موضوعية في حقبة معينة.

ويتصادف أن تتضافر جملة ظروف وعوامل في حقبة تاريخية ما على شعوب وأمم بعينها، فتلوي عنقها نحو التدهور، ولا تتركه يتجه حرا نحو التطور
الأمة العربية، أو الشعب العربي، وبالذات في التاريخ المعاصر الذي يبتديء مع أوائل القرن العشرين،أبرز الأمثلة على هذا.

استدعى هذا الكلام ما صرت ألاحظه مؤخرا من حملة متدفقة على جمال عبد الناصر وتحميله، منفردا، مسؤولية التدهور والفشل الحادثين في المنطقة. ويبدو أنه يُحمَّل هذه المسؤولية من جانبين:

- الدعوة إلى القومية العربية والوحدة العربية.

- تقليعة الانقلابات العسكرية التي نتج عنها إقامة أنظمة عسكرية استبدادية.

أنا أؤمن، بطبيعة الحال، أنه لا توجد خطوط حمراء في النقد والتعبير عن الرأي. لا حصانة لأحد من النقد. لكن الموضوعية واجبة في التعامل مع القضايا كافة.

فالدعوة إلى القومية العربية والوحدة العربية ليست اختراعا ناصريا. بل يمكن ردها إلى الحركات القومية السرية في بلاد الشام التي تشكلت منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وفي ما بعد من خلال جمعيات ومنتديات أدبية معلنة. وعلى مستوى التنظير الفكري يعتبر ساطع الحصري (1880- 1968) علامة بارزة في هذا المجال. أما على المستوى السياسي فقد تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي، وهو حزب قومي، سنة 1947 في سوريا. ناهيك على أن فكرة القومية والدولة القومية عموما ظهرت بأوروبا منذ بداية القرن الثامن عشر، ومع القرن العشرين كانت منتشرة في أكثر من قارة.

أما بالنسبة إلى الانقلابات العسكرية في المنطقة العربية فمعروف أن أول انقلاب عسكري في منطقة الشرق الأوسط بكاملها هو انقلاب حسني الزعيم في سوريا سنة 1949. أي قبل انقلاب عبد الناصر بحوالي أربع سنوات.

بيد أنني أرى أن ثمة عاملا مهما ساهم في إحماء التوجه القومي العربي بين الخاصة والعامة، وأدى إلى انبثاق ظاهرة الانقلابات العسكرية وما ترتب عنها في البلدان العربية، ألا وهو تنصيب installing دولة إسرائل على الأرض الفلسطينية العربية.

فإذا كان الاستعمار قد منح فلسطين لليهود لإقامة "دولتهم القومية" عليها (واليهودية ليست قومية وإنما هي دين) فلماذا لا يكون من حق العرب (وهم يمتلكون مقومات القومية) توحيد أنفسهم في دولة قومية على أرضهم؟!

كما إن الانقلابات العسكرية التي قامت في البلدان العربية، إلى ما قبل حرب أكتوبر 1973، كان مسببها الأبرز قيام دولة إسرائل، فكل الأنظمة العسكرية الناشئة عن هذه الانقلابات ترفع، بجدية عالية أو خافتة، شعار استعادة أرض فلسطين.