Atwasat

الهوية وهم لم يعد

سالم العوكلي الأحد 11 مارس 2018, 11:48 صباحا
سالم العوكلي

في كتاب كونراد لورينز (العدوانية)، الذي ترجمه د. محمد محمد المفتي، مضيفاً إليه عنوانا جانبياً (الجذور البيولوجية للسلوك وتأسيس الإثولوجيا)، يجد عالم الأحياء، لورينز، الذي قضى وقتا طويلا في دراساته المقارنة، ضالته للمقارنة مع البشر في مجتمع الفئران الذي يعتبره أقرب المجتمعات الحيوانية للبشر من حيث العادات والسلوك، ويسرد حكاية طريفة لتجارب الباحث ج. إيبل، على فأر البيت، حيث أجرى إيبل مشاهداته بمراقبة هذه الفئران في بيته: "ذات يوم فتح صندوقا كان يربي فيه عددا من الفئران الكبيرة الأقرب إلى الفئران البرية، وبمجرد أن وجدت الفئران الشَّجاعة لمغادرة قفصها وجرت عبر الغرفة حتى هاجمتها الفئران المقيمة بشراسة. وبعد معارك طاحنة تمكنت من التراجع إلى سجنها الآمن، الذي دافعت عنه بنجاح في وجه المطاردين من الفئران المقيمة". ورغم ما لهذا السلوك من تحليلات تتعلق بالهوية كغريزة، وبمفهوم الغريب العدو كمهدد للنوع حتى وإن كان من الجنس نفسه، إلا أن ما يستهويني في هذه التجربة هو المجاز الذي يذهب بشكل بليغ إلى أنه قد تكون أحيانا التضحية بالحرية والعودة طوعيا إلى السجن هو الخيار الوحيد حين يكون البديل أكثر قسوة.".

يقول لورينز: "إن عضواً بالقطيع سيوصم بأنه غريب مكروه، إذا ما تغيرت رائحة جسمه". ولإثبات هذه النزعة الغريزية في تحديد الهوية، يسرد واقعة جرذ نقله (إيبل) إلى مستوطنة أخرى لوقت كاف لتغير رائحته ثم أعاده إلى وطنه الأم بعد فترة من المنفى: "لم يكن الجرذ قد نسي رائحة أسرته، لكنه لم يدرك أن رائحته هو قد تغيرت. ولهذا شعر بالأمان وأنه قد عاد إلى بيت الأسرة، لكن أصدقاءه باغتوه بعضات قاسية، وكانت مفاجأة بشعة وكاملة. لذلك لم يستجب بالخوف أو بالفرار اليائس، رغم ما ناله من جروح مؤلمة، كما تفعل الجرذان الغريبة في مواجهة عدوانية القطيع المقيم".

تذكرني هذه الاستعارة الجارحة بأولئك الذين عاشوا في المنفى لسنين هربا من القهر، (من سماهم القاموس الشعبي دبل شفرة)، ولم تعطهم مشاعر الحنين وشجون الغربة فرصة لنسيان رائحة الوطن، وحين عادوا إلى وطنهم الأصلي اكتشفوا أن أهلهم وأصدقاءهم قد نسوا رائحتهم، ليجدوا أنفسهم غرباء في وطنهم الأم وعرضةً للعض المؤلم من أقرب الناس إليهم.

في زيارتي إلى تايلاند نهاية الثمانينيات، سألت تايلانديا: ما إذا كان يستطيع التفريق بين ملامح المواطن التايلندي من ملامح جيرانه، من كمبوديا وفيتنام وبورما مثلا؟. فقال لي دون تفكير: نعم بواسطة الرائحة، ووضع سبابته على أنفه . ولم أعرف وقتها إذا ما كان يمزح أو جادا.

غير أنه في الواقع بمجرد أن حطت قدماي ببانكوك كنت أشم رائحة خاصة لاحقتني في عديد المدن التي زرتها، مثل تلك الرائحة الخاصة التي كنت أشمها في المدن المصرية، والتي قد تصادفني في مكان آخر فأقول هذه الرائحة تذكرني بمصر، كأن أدخل بيتا في درنة يقطنه مصريون، أو بيتا يقطنه سودانيون تعكس روائحه هوية ساكنيه. لا أدري ما إذا كانت هذه الرائحة ترجع إلى نوع الأطعمة والبهارات أو العطر المستخدم أو رائحة الأجساد، لكنها تظل لمن يتمتعون بذاكرة شمية مفتاحا لمعرفة الهوية.

ثمة قطعان يمكن تدجينها تحت سلطة الرعاة القساة، أو المالكين لها، لكنها تتوحش حين تجد نفسها بريةً في الأدغال لا يحكمها إلا قانون الغاب، تتصادم وتنزف دماؤها ويأكل بعضها البعض صراعا على المراعي والماء، أو ما يسمى في عالم البشر صراع المصالح أو البقاء للأقوى.

ينطبق هذا على مجتمعات الدواب وعلى الحشرات التي تعلق بفراغات أحذيتنا وعلى البشر في حقب تاريخية قديمة، لكن، والفضل يرجع لهبة الترقي الإنساني، حدثت ابتكارات مهمة لمفهوم التعايش بين الهويات والأهواء، كان قد بدأ عبر التدجين تحت سلطة قامعة، خارجية أو محلية، تفرض التعايش قسرا، ثم انتقل إلى اكتشافات أخرى مبهرة تحافظ على التعايش وكرامة وحرية الإنسان في الوقت نفسه، اختراعات ربما لما تصلنا صدماتها المخصبة بعد، مثل العلمانية كفضاء لتعايش التناقضات، والديمقراطية كفضاء للمشاركة، وقد تمخضت خلطتهما السحرية عن دساتير تضمن إلى حد مهم، وليس مثالياً، تعايش القطعان البشرية التي لم تعد قطعانا بالمعنى الدقيق في مجتمعات المواطنة المتمتعة بحقوقها، والذات المستقلة قانونا، التي كانت أهم نتاجات الحداثة المؤسسة على حقبة من الاستنارة.

يبدو أن الهوية بما لها حضور في الحواس الإنسانية كانت وهما ضروريا مثل أوهام كثيرة صنعت التاريخ لأنها تحولت إلى كيمياء تسري في جسد البشر نسميها عاطفة أو وجدانا أو انفعالا، وبالتالي متجسدة عضويا في تكوين الإنسان وليست مجرد تهويمات ذهنية أو عقلية، ورغم ذلك وبالنظر لما يحدث في هذا العالم من تلاش للحدود التقليدية بين الأجناس والأمم فإن قناعتي الشخصية تتعزز يوما بعد يوم حيال الهوية كوهم ليس لابد منه، لأن ما نراه اليوم من صراعات ومن مواكب نزوح ضخمة متعلقة بالجنسية وليس الهوية، الجنسية التي تكتب في البطاقة الشخصية والتي للمفارقة تسمى في العديد من بلداننا هوية.

لقد صرنا في زمن رسم فيه علم الجينات وبنية الكروموسوم خارطة جديدة ملونة للعالم تحدد ألوانها تحاليل الأحماض النووية، وأصبح اللعاب الذي نتركه على حافة كوب ماء مفتاحا لمعرفة من أي بقعة في العالم جاء أجدادنا الأوائل.

فلو وزعنا الليبيين على أوطانهم الأصلية وفق خارطة المورثات الصبغية العالمية لتوقفت الصراعات في ليبيا لأنها ستخلو تقريبا من السكان. لكن العالم الآن يحث خطاه صوب القرية الكونية حيث المواطنة العالمية ليست مزحة لكنها واقع يتلمس حقيقته يوما بعد يوم وليس قرنا بعد قرن، والقرية الكونية لم ترد في خيال روائي، لكنها حقيقة تجعل جارك الحقيقي هو صديقك على الفيس بوك أو التويتر أو غيرها من الحارات الإلكترونية.

الاستنساخ ليس مجرد خيال علمي شاطح، أو معجزة مستقاة من أسطورة بعث قديمة، لكنه واقع علمي قد يجعل من الهوية سلعة صناعية تنتجها مختبرات الانتخاب البشري الجديدة.

وسيل النزوح العظيم من الجنوب إلى الشمال، للمهاجرين الذين يموت نصفهم كي يصل نصفهم الآخر، مثلما كان يفعل زحف الجراد المهاجر، ألا يضرب مفاهيم مثل الوطن ومسقط الرأس والهوية في مقتل؟

وموظفو الشركات الكبرى في منهاتن التي تبيع الألعاب الذكية والطقس الجميل، القابعون في أكواخهم البائسة في العشوائيات المسماة بالعالم الثالث، من الممكن أن يشاركوا من معتزلاتهم في إضراب عمالي أو مظاهرات في شارع وولستريت.

وهذا العالم الذي يغزوه الذكاء الاصطناعي، عبر الروبوت والبرمجيات والتطبيقات الذكية، لن يكون فيه يوما مكان للأغبياء الذين مازالوا يبحثون عن قطيع يحميهم، أو يدافعون عن التخلف بحجة السيادة الوطنية.

أما ما يحدث الآن من نمو طفري لقطعان اليمين المتشدد، من البغدادي مرورا بلوبان وصولا إلى ترامب، ومن حراك انفصالي واستفتاءات على استقلال بعض القطعان، هي آخر دفاعات العصر الرعوي عن قطعانه أمام طوفان العصر الرقمي وثورة الاتصالات الجديدة التي سماها المفكر الإيراني داريوش شايغان الصدمة الرابعة ، مشيرا إلى روح المفارقة فيها التي بقدر ما تحيل العالم إلى قرية إلكترونية، بقدر ما تمنح الأقليات المضطهدة وسائلَ للتعبير والحشد، تجعلها تنحو تجاه الاستقلال ، لكن لا جبل عاصما من هذا الطوفان العولمي الجديد.