Atwasat

الإعلام والأبطال

محمد عقيلة العمامي الإثنين 05 مارس 2018, 01:05 مساء
محمد عقيلة العمامي

من قبل أن تدور الكلبة (لايكا) حول الأرض وتنبح، حتى ماتت، على الزنجية التي أساءت إلى النعمة، والتي علقها الله على شجرة جرداء في القمر، ظللنا نتخيل أننا نراها تتمايل مع رياح القمر الشديدة منذ أن أخبرتنا أمهاتنا بذلك. ولكن السيد (نيل ارمسترونغ) أكد للإعلام حال وصوله من سطح القمر، أنه لم ير تلك الزنجية البائسة، ولا الشجرة الجرداء، بل لم يجد نبتة واحدة.

منذ ذلك التاريخ، ولسنوات طويلة مليئة بالأخبار عن قرود وعناكب، وتيوس، ورواد فضاء، لم أجد مبررا لهذا السباق المحموم لغزو الفضاء والسيطرة عليه، ولم أعرف سبب إنفاق هذه المليارات، فيما تصدمنا كل يوم صور طيور الرخ القبيحة وهي تنتظر وفاة طفل في الصومال لتلتهمه، ومؤخرا في بلدان كانت يوما ما ثرية.

الآن، بانت عليَّ بوضوح أهمية ما كانوا يعملون من أجله. لم يخبرنا علماؤنا ولا إعلامنا عن الثمار، أو بمعنى أدق، الفائدة والقوة من السيطرة على الفضاء. إعلامنا لم يخبرنا إلاّ عن القرود ورواد الفضاء خصوصا العرب منهم، وبضعة أشياء أخرى تزيد من تخلفنا.

الإعلام العربي لم يخبرنا، حتى الآن، عما فعل إعلام الفضائيات بالعالم كله، بينما أخبرنا الإعلام الغربي؛ بوضوح أننا أصبحنا تحت مجهره بالكامل، ونتحرك وفق ما يمليه علينا ولا أخفي عليكم أنني أستمتع به جدا وأستفيد منه للغاية، ولا يزعجني أبدا أنهم يعرفون أرقام تلفوناتي السرية، وأرقام حساباتي (العسيرة) وآخر نكته، أو صورة بعثها لي صديقي مدبولي.

منذ أيام وحرب قائمة على "بوابة الوسط"  من عدة منابر، ومن بعض رفاق وزملاء  المهنة، لا لشيء إلاّ لأنها قناة ليبية وطنية الهوى تريد أن تساهم في تنوير الناس، وتنقل لهم، بمهنية، الأخبار وآخر ما توصل إليه العلم ليساعدهم في تلمس طريقهم للخروج من هذا النفق المظلم.

الليبيون  لم يعد يخفى عنهم شيئا، أصبحوا يعرفون من يريد أن يساعدهم، أوينورهم، ويعرفون أيضا من يريد أن يحكمهم، ويعرفون من اتجه مؤخرا، ومباشرة، لقنواته، التي يملكها أو تلك التي يملكها من يمولهم. هذا في تقديري شيء طبيعي وهو ما نتطلع إليه؛ فتعدد المنابر، يوضح برامج  أصحابها وأهدافهم، فالليبيون ما زالوا ينامون أمام المصارف على أصداء الوعد بأن "الخير جاي"  إنهم لا يملكون إلاّ أن يتأملوا ما وُعدوا به، وإن لم يتحقق ذلك لهم أن يختاروا المنبر الذي يقتنعون به..

فماذا أريد أن أقول؟
إن الإعلام، من بعد سيطرة العالم الذي لا يؤمن لا بالصراخ، ولا بالوعيد، على وسائله لم يترك مجالا لصناعة الأبطال، تركها للبطل نفسه: بمقدوره أن يصنعها لنفسه ما عليه إلاّ أن يوفر الاستقرار، والرخاء والهناء، ويفتح نوافذ وأبواب بلاده على أفكار العالم كلها لينتقي الناس ما يريدون وفق قناعاتهم، ويحرسهم ويوفر لهم الأمن والأمان، والتصدي لكل من يريد إقناعهم مستخدما المفخخات والقتل والترهيب والتنكيل، وبالضرورة سوف يكونون في صفه.

لم يعد الإعلام، أي إعلام، قادرا على صناعة بطل، ولكنْ قادرا على صناعة مشاهير فقط: في الرياضة، في الطرب، وفي التمثيل مشاهير مثلنا ولكنهم يملكون موهبة أكبر من موهبتنا، نتابع أخبارهم، ونشاهد حضورهم، وإسرافهم في الإنفاق، والمعيشة  الرغدة التي يعيشونها، ودقة وتفنن في عمليات تجميلهم،  فلكل واحد منهم فرق كاملة تعلمه كيف يمشي؟ وكيف يتكلم؟ وماذا يلبس؟ وكيف يضحك بعفوية، أو علينا؟. نسمع أخبارهم الشائقة ونتابع ما نعتقد نحن المحرومين من الموهبة، فضائحهم ومجونهم وطلاقهم وزواجهم، بل وكثيرا ما يعتصر الحسد بطوننا عندما نرى الألق الذي يحف بهم. هناك بالطبع كثيرون موهبون ملتزمون ولكنهم لم ينالوا الشهرة المرجوة.

الإعلام لم يعد يصنع الأبطال، ولكن أفعال الرجال المخلصين لمبادئهم التي تتوافق مع رخاء، وهناء، وأمن، وتعليم، وصحة  أبناء أوطنهم هي التي تجعل منهم أبطالا، فانظروا حولكم وستعرفون كيف يصنع الأبطال مسيرتهم، واسترخوا في المساء أمام التلفزيون، وسترون كيف يصنع الإعلام المشاهير.. المشاهير فقط، أما الأبطال فلا يحتاجون إلاّ إلى أفعالهم . فاتركوا وسائل الإعلام  ترفع الغشاوة عن عيون أبناء وطنكم، دعوها تقوم وتتفنن، مثلما فعل الغرب، وليس مثلما يفعل العرب. عندها.. عندها فقط لن يخدعنا إعلام مأجور، سوف يكتشفه الناس، ويتركونه كدودة قز تلف الحرير حولها، حتى تموت.