Atwasat

الصحراء وبناتها (كائنات الخواء ولذة التأويل)

محمد المغبوب الإثنين 05 مارس 2018, 03:40 مساء
محمد المغبوب

هذه الورقة محاولة اقتراب من صحراء الأديب إبراهيم الكوني خلال عشرات الكتب التي كتبها قصة ورواية. فله الشظية والصلاة خارج الأوقات الخمسة والسلطان فيما قرأت له من أضمومات قصصية كما له العديد من الروايات التبر ونزيف الحجر والسحرة والمجوس ونداء ما كان بعيدا التي فازت بإحدى الجوائز وله العديد حتى يصعب علينا ملاحقة إنتاجه الذي بلغ أكثر من ستين عملا إبداعيا كلها تدور أحداثها في الصحراء.

والصحراء هنا هي التي في المغرب قدمها الكاتب البيرتو باثكث فيكيورا بعنوان طوارق تدور حول الثأر وبطلها غزال صياح وللحقيقة حسب ترجمتها فهي رواية ممتعة ببعد إنساني وسياسي أيضا كما لم أجد هذه الصحراء في واحة سيوة لبهاء طاهر.

إن حنا مينا خائض الحكايات البحرية لا يمكن لنا أن ننعت أرنست هومغواي بكاتب البحر وأن الشيخ والبحر هي رواية بحر فهي تبدو بين الصيد وبين هيكل الحوت الكبير حكاية الرأسمالية المتوحشة ولم يقدم بعدها رواية بحر.

إن نجيب محفوظ راوي الحارة وخليفة حسين مصطفى راوي المدينة كما نجد كتابا كثرا يسردون علينا أحداث الحياة العامة بكل تنوعاتها  يقيمون في المدن والقرى والأرياف بناءات ضمن المكان متعدد الألوان والأجناس. فحين كتب عبد الرحمان منيف مدن الملح لم يعتبره أي منا أنه كاتب الأرض العربية، أعني خصوصية المكان هو كالشخصية تماما له أبعاده وله عمقه فيما الإنسان هو البعد الخامس للحياة عامة

الصحراء وبناتها
كائنات الخواء ولذة التأويل

ثلاثة أمكنة هي الصحراء والبحر والسماء ما تمثل الفراغ والخواء والجوع والعطش والتيه وهي أيضا القبر الكبير الذي يمكن أن يضم الموت على أي نحو كان، ومع أنها تبدو هكذا فهي ليست إلا خلاء منظورا نراه متسعا شاسعا يتماهى فيه الفراغ بالفراغ مسكونا بخلائق أخرى لا تُرى من ملائكة وشياطين تضج بأصوات كتومة للذين عبروا عليها وبمنطق الطير الذي ما إن تجده يحوم فوقك حتى يغيب عن ناظريك وأنت بين رعب وبين سؤال الوجود.

الدراويش يجدون فيها مملكتهم فيقيمون قصورهم يبنون جيشهم من العفاريت يعيشون فيها ولا نرى من كل ذلك إلا أجسادهم النحيفة في ملابسهم الرثة يفترشون الرمال الخشنة ويتغطون بأنوار الكواكب والنجوم وأضواء بعضها.

البحر نرى سطحه لكننا ونحن في وسطه يصير فمًا يبتلعنا والسماء إن صعدتها بمعراج تسقط عند آخر درجة فيه فلا تصل هدفا ولا تدرك غايةً مخيفة تلك الأمكنة والصحراء على وجه أخص، وحنونة عندما تشرف بك على إحدى بناتها واحة خضراء يعانق النخيل فضاءها وتشق بعض عيون الماء مجراها يصل البحيرة حيث تتخضر على محيطها الأشجار والأعشاب  وليتسرب من في خفة سرية إلى خزانات تحت الأرض في مكان مقفر وسط الخواء تعطيك الأمل والأحلام الجميلة والقدرة على مواصلة الحياة.

هكذا تكون تلك الأمكنة مادة دسمة جدا وعصية على الهضم حين تسردها في باقة حكائية قد فعلها الأديب إبراهيم الكوني كما فعل الأديب حنا مينا مع البحر.

الكوني  يجد للصحراء تاريخا له وقائع وأحداث كما له راو يسرد ما كتبه الذي سبقه.

النص
(... الحجر الغامض القديم الذي يحفظ سيرة الآلهة ويكتم في صدره تاريخ الصحراء رأى موسى خيال الربة الحجرية لأول مرة).

الكوني يمزج بين الواقع المعاش وبين المتخيل ويملأ الفراغات بأصابع قبائل الطوارق يكتب سيرتهم وهم يستوطنون الصحراء التي تتاخم بعضها بين مصر والسودان وتشاد والنيجر والجزائر وتونس وليبيا وتمتد إلى مالي حيث تومبكتو وكانو فيما يستند الكوني على جبال تاسيلي يجعل منها قمة للمجد وطودا للصحراء لا تمتد إليه يد ولا ينهشه مخلب فيما يعطي للودان قدسية الروح وللغزال نقاء وصفاء الملاك كما يعطي للحية مكر الشيطان وللثعبان ذكرها سيف المجهول غير أن أهم ما يميز الصحراء هو عريها فهي على امتداد البصر فرش يميل إلى اللون البني وخيوط كالسيوف المهندة سلطانها الريح يجوبها أينما شاء وخاصة حين يهب من الجنوب  ويضطرب لأمر خفي فيثير الغبار إلى سقوف السماء ويرسله إلى الشمال حيث ضفتا البحر المتوسط عند الشمال من الجنوب فريح القبلي جنودها متى أحست بغزوها نشطت جيشها تركب الريح وتأتي على اليابس والأخضر معا تردمه.

على أي نحو شئت تجد شخصنة البطولة في الصحراء فكل حكاية مهما تعرجت أحداثها تجدها تمجيدا للبطل الفرد حيث يبرز شيخ القبيلة أو شيخ الطريقة أو في أكبر درجات السلم القبلي السلطان وهو هنا كما نجده في الربة الحجرية هو (كل من رضي تولي أمر قوم فهو سلطان حتى لو أدعى النبوة) كبطل لا يقاسمه أحد أو تجد الفارس هو البطل في الخيمة مع امرأته أو هو في الساحة يحارب الشياطين والأشباح ويمكن أن نجد لهذه البطولة تأويلا وحيدا من عندي وهو تعبيرعن القوة التي تصد أي غازٍ للصحراء فسكانها مسالمون لا يغيرون على غيرهم من أقوام أخرين.                                                                                                                                                                                                                                    

والصحراء هنا هي ثنائية التراب والماء، فالعطش هو غولها بكل توحش وشراسة فيما يكون غول الواحات بنات الصحراء هو الجراد ن وهنا يروى عن واد في مدينة مزدة خيم في الجيش الفرنسي ليبيت ليلته ويحتل المدينة عند الشروق فكان أن هجمت جيوش من الجراد عليهم وهم نيام من شدة التعب والإرهاق ووجد أهالي مزدة عند اليوم الثاني ركاما من العظام والحديد فقد التهم الجراد كل ما هو ليس من حديد  وترك أجسادهم مجرد هياكل عظمية فقط ففيما تخاف الصحراء غول العطش تخشى الواحات جيوش الجراد.

الواحات بنات الصحراء تنتشر كما قُدر لها تقتات على بعض من الماء المخزون تحت الأرض وعلى وابل من مطر شحيح يسمح بقطعة صغيرة من سجاد أخضر نراها كعروس في ثوب زفافها تستعد كل ليلة لفرح بهيج وهي منة الصحراء عليها لا تحسدها بل تتفاخر بهذا العطاء غير المشروط.

السماء في الصحراء ليست كالتي في المدن فهي كما إنها ليست مصابيح تنير المكان وتلد الأنس فقط بل هي إجابات عن أسئلة على لسان العرافين وأدوية للمرضى بين يدي الشيوخ والدراويش
النص التالي من الربة الحجرية للكوني:
 ـ الحق أن رسم الأحجبة برموز أهل الجن عمل لا يقره شرع السنة ولا يستطيع شيخ الطريقة القادرية أن يتساهل معه مهما تخلق بالتسامح والحلم.
استمات في الدفاع  
ـ الفقهاء أيضا يكتبون الأحجبة ويرسمون التعاويذ
ـ ما يشفع للفقهاء هو القرآن ــ تعاويذ الفقهاء بلغة الله وتمائمك مرموزة بلغة الجن وأشباه الجن
ـ ما ضرها أن تكتب بلغة الخفاء إذا كان فيها شفاء الناس..)
هكذا للصحراء فلسفة أهلها وخاصة الطوارق بميثالوجيا تخصهم دون قدرتك على التفريق أو المقارنة بين المكان وسكانه  حتى وإن بدا للجميع حبس لا فرار منه لكنه مرتع لحرية غير منقوصة وفرتها الصحراء تأسرهم لتعطيهم حريتهم هكذا هي.

النص من الربة الحجرية:

(ـ لماذا خلق الله الصحراء
ـ لكي تكون مأوى لمن أراد أن يكون حراً
ـ وهل أهل المدن عبيد
ـ طبعا عبيد
ـ وأهل الواحات
 ـ أيضا عبيد  فكل من ارتضى العيش تحت رحمة عبد آخر فهو عبد وكل من نام تحت سقف أو أقام تحت جدار وكل من استقر في أرض.
ـ وسكان الأدغال  
هزت رأسها بالإيجاب فسألت تازيديرت
ـ ولكنهم لا ينامون تحت السقوف ولا يقيمون تحت الجدران.
هناك يعيش تحت رحمة الخوف فكيف يكون حراً من نام وهو يرتجف خوفا من نمر أو من
ثعبان..)

يكون الخوف من بعوضة كما يكون من قنبلة نووية  فيما التوجس هو الشيطان الأكبر للخوف ونحن في الصحراء نستشعره جدا فهو يحاذينا ويلاصقنا كظلنا وما الواحة إلا تلك البقعة التي يتركنا في وهمنا ونحضن فيها الطمأنينة وعلى هذا النحو تكون حياتنا بين حلم يتحقق وبين أمنية لا تصير شيئا.

يبدو لي أن أجمل ما خطه إبراهيم الكوني من قصص هو نذر البتول حيث يرسم لنا حالة عشق وعملية زواج بين الفتاة وبين السيل بدقة متناهية يشكل  لنا صورة للحب لهذا الذي تسلم له نفسك وتعد أية خسارة يمكن أن تجنيها مكسبا لم يفز به غيرك.

النص مستل من القفص:
 
بدأت  تنزع ملابسها  تحررت من اللحاف  التقطه السيل من يدها وجرفه التيار. وهكذا يستمر سرد العملية حتى يختمها: أحست بأنفاسها خفيفة كريشة طائرة  الماء الناعم يطوق جسدها البكر بحنانه انسابت بحرية مع التيار الهادر الذي يجرف القش والروث  يحرت الأرض البتول بعنف مارد عاشق يفر بمعشوقته الحسناء إلى المجهول.

هكذا تنتهي قصة نذر البتول بعروس تزف للسيل الجارف حتى يعاود المطر نزوله ثانية عند كل نزول له عروس بتول يأخذها السيل كل عام وموسم للخصوبة فالأمر تضحية لا يقوى أحد على فرضها على أحد.

لابد من ملء فم الصحراء الواسع بأي شيء ففراغها  فيالق من جيوش الجفاف والعجاج لابد أن نقاومها بتأثيث فضاءاتها بالحوادث المثيرة وهي تثير الغبار في  وجوه سكانها حتى ننتهي بها إلى واحات هي الحلم والغاية  فسيوة في مصر طاف فيها الروائي بهاء طاهر ورسمه في واحة الغروب أما في جالو وأوجلة في ليبيا فكان صياد تقاصيل يومها إبراهيم الكوني يأتي بها كحلم فيه السماء+ حبلى بغيم ماطر وأرض لا تشيخ  تحتها أثذاء من نفط وغاز نحلبها فلا تجف أبدا والواحة على نحو كانت ليست إلا عمقا صحراويا يشبه المدينة الصغيرة غير أنها محاطة بسور الصحراء فهي الحياة التي نعيشها جنة وارفة لكن حوافها الجحيم وهنا نتمكن من عدة تأويلات لثنائيات عدة  فحتى البحر صحراء يمثل الغول فمه الذي يبتلع به كل شيء ولا يهتم كثيرا حين يصادر حياة أحدنا حين نركبه ويسعده جدا حين يهجم على بلد فيه ما فيه يلتهمه دون مضغ.

هكذا أيضا تفعل بنا السلطة مرة وهكذا أيضا نفعل بها نحن كلما عن لنا الصراخ في وجهها والتمرد عليها .
الصحراء بدء وخاتمة أيضا نلتمسها في تشكلات الكوني المروية.

قال الرجل للعريس
 ـ سأخيرا سنتسلى غدا سنشكل الحكومة
وفرك يديه بخشونة
انطفأت الشمس وانسحب آخر فارس من الحلبة
هكذا بدأ الكوني قصة السلطان .

السلطان الذي ننصبه خلال أسبوع العرس بعد الليلة الأولى وبعد سرد جميل يتحول السلطان المؤقت إلى حاكم حقيقي كل يأتمر بأمره ليصل إلى غايته في محاربة الفرنسيس ليثأر لأمه وأبيه فعلى نحو كهذا تكون الثورات أحيانا.

كما يخدعنا السراب في الصحراء نكون نحن مخدوعين ومخادعين أيضا في صحراء دنيا نعيشها ليست أبدا مطواعة.

أود أن أشير هنا  إلى أنه بصرف النظر عن تعريف اللذة  وما جاء به الفلاسفة أبيقور اليوناني 343  ــ  270  قبل الميلاد مع تدارك اختلاف حول أفكاره كذلك جيرمي ينتام 1748ــ 1823 ميلادي  الذي يعتبر أول من أسس لمذهب اللذة في مقدمته لأصول الأخلاق والتشريع، وجون استيوارت ميل الذي نادى باللذة والمتعة، قد أجمعوا على أن اللذة هي وحدها الخير وهي تحرر العقل من الخوف والقلق.

لكن ضمن تعريف اللذة اللغوي بكونها إدراك الملائم من حيث كونه ملائما وأنها طيب الطعم فإن الواحات بنات الصحراء وأنها لذتها الدائمة في حين أن الصحراء هي أيضا لذة حين تشعر أنك انتصرت عليها وقاومت جفافها ولم تنحنِ لريحها القبلي وأن عقلك كله سخرته لتخرج منها بعد أن ولجتها لست تبالي بما حدث لك فيها وأنت الشمعة الوحيدة التي أنرت مساربها تخب قدماك في ترابها تحس بالقوة وأنك قاهر من يتحداك جنًا كان أو صعلوكا يقطع الطريق، وعند بزوغ شمس النهار تتأكد فعلا أنك قد أضفت يوما مجيدا لعمرك وبه صرت نبيلا تستصغر الأشياء مهما تعاظم حجمها لا تسلب إرادتك غواية ولا يستدرجك طعم فخ لك فاللذاذة هي تكور اللذة على نفسها كلما توغلت فيها كلما زاد حجمها دون شعورك بالغرور.

أما حين تنثني إلى إحدى بناتها واحة غناء في كبد صحراء عشت في قصر بناه خيالك عايشت فيه بطولات  وقهرت الصعاب استأنست بالجميلة فيها أو تزوجت من إحدى حورياتها ودان لك كل ما فيها وأنت الآن تركن إلى واحة تمنحك طيب طعامها دقلة في عرجونها وحليبا في ضرع نعاجها وفاكهة غير ممنوعة تتارص عند حوافها وشرابا من يد الرضا باردا تزداد صحوا كلما أحتسيت كأسا.

حين تشعر أنثاك أنها ملكة على رأسها تاج العفاف تستكين إلى راحة أنت صانعها تسرد عليها حكايات من مضوا وتتلو عليها قصائدك موحية المعاني.

هكذا فأنت لست تتحدث عن صحراء بل عن حياة كاملة بعمر مديد، وهذا ما وجدته في صحراء إبراهيم الكوني وهو ما تلمسته في الواحات فالأمر كله استعاضات وإسقاطات ومقاربات ومقارنات والشىء وضده.

تقريبا حتى ونحن في المدن وعلى الساحل يعيش أغلبنا في صحراء نفسه.

صحراء بنتها السلطة أو قد أسس لها نحن وبأسرنا وما أحوجنا إلى واحة كل منا يبنيها بيده لا بيد غيره، يعيش لذة يصطاد بها كل المتع .