Atwasat

الانتخابات الليبية وتآكل التحالفات

صالح السنوسي السبت 03 مارس 2018, 07:27 مساء
صالح السنوسي

شهدت الأشهر الأخيرة من السنة الماضية تحركات من معظم اللاعبين على الساحة السياسية الليبية، فأخذت طابع اللقاءات والمبادرات والتصريحات التي كشفت – في العلن على الأقل- عن تعديل كل طرف لبعض من مواقفه تجاه الطرف الآخر، وبصرف النظر عن جدية ما قام به كل طرف من تحركات وما أعلنه من تعديل في هذه المواقف والتي كان آخرها وأهمها هو موافقة الجميع على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، فإن السبب الحقيقي على الصعيد الداخلي بعد الأسباب المتعلقة بالقوى الدولية - في نظرنا- والذي دفع الجميع إلى القبول بهذه الانتخابات هو - حدوث تشققات وعدم رضي متبادل بين الحلفاء داخل كل معسكر.

فالمسيرة التي بدأت منذ توقيع اتفاق الصخيرات وقاربت على السنتين، تشابكت فيها رؤى واختلفت فيها مصالح ليس فقط بين كل معسكر وآخر بل، أيضا بين رفاق كل معسكر، فقد أنتج هذا الاتفاق يومها ثلاثة أطراف تقاسمت الصراع العلني وهي البرلمان والمجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة فهذه الأطراف هي التي اعترفت بها الشرعية الدولية واتخذت منها عناوين يمكن التعامل معها في ليبيا. بينما كانت هناك قوى أخرى فاعلة على الأرض لم تكن أطرافا في هذا الاتفاق، ولكنها تربطها علاقة تحالف أو تبعية شكلية مع هذا الطرف أو ذاك، وبالتالي فإن كل المهتمين بالحالة الليبية، بما في ذلك القوى الدولية التي تقف خلف الاتفاق، يعلمون أن مصير الاتفاق لا يتوقف على قبول هذه الأطراف الثلاثة فقط، بل أيضا على عدم معارضة هذه القوى الفاعلة على الأرض، ولهذا فقد تركت القوى الدولية للأطراف الثلاثة مهمة التعامل المباشر مع هذه القوى وجعلها تقبل الانخراط في اتفاق الصخيرات، ومن هنا بدأ الخلاف والصراع الذى يبدو ظاهريا بين هذه الأطراف الثلاثة بينما، في حقيقة الحال، هو صراع في معظمه بين تلك القوى التي كان كل منها يحاول تطويع الاتفاق سواء بتعديله أو بإفشاله عن طريق أحد الأطراف الموقعة عليه فبدأت، مذاك، بوادر الخلاف داخل كل معسكر، فأخذت علاقة التبعية والتحالف تتآكل بين أطراف الاتفاق الرسميين وتلك القوى التي تمثلت في:

مليشيات ليس من مصلحتها ظهور مؤسسات موحدة تعمل على فرض الأمن واحتكار السلاح داخل الدولة، لأن هذه المليشيات لا تستطيع أن تمارس نشاطاتها الإجرامية إلا في ظل الفوضى وغياب مؤسسات الدولة. ورغم أنها تستظل بأسماء مناطق أو أحياء داخل المدن الكبيرة مثل العاصمة طرابلس إلا أن دوافع وجودها الحقيقية هي ممارسة الجريمة المنظمة كالتهريب والخطف والابتزاز والارتزاق لدى هذا الطرف أو ذاك في حالة نشوب مواجهات بين هذه الأطراف، ففي مثل هذه الحالة الأخيرة يكون ولاؤها لمن يدفع أكثر وأحيانا تنخرط إلى جانب أحد الفرقاء عند نشوب أي صدام مسلح، لأن ذلك يؤدي في النهاية إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق السياسي واستمرار حالة الفوضى.

مليشيات دينية متطرفة ترفض الأساس والمبنى الذي تقوم عليه الدولة المنتظرة في الاتفاق السياسي، إلى جانب أن الاتفاق يصنفها بالإسم ضمن الجماعات الإرهابية. ولهذا فإن مصلحتها تقتضي إعلان الحرب على هذا الاتفاق وما تمخض عنه من مخرجات وعلى كل من يؤيده، ولكنها في إطار مخططها للإطاحة بالاتفاق تتحالف مع أي فصيل مسلح، بما في ذلك المليشيات الإجرامية، إذا ما نشب صدام مسلح بين هذه المليشيا وأي طرف آخر مؤيد للاتفاق السياسي.

تواصل أو تفاهمات بين هذه المؤسسة وأي جهة محسوبة على المجلس الرئاسي أو مجلس الدولة لابد أن تثير خلافات مع تيار الإسلام السياسي

تيار الإسلام السياسي المؤيد للاتفاق وهو لديه ممثلوه في المجلس الرئاسي ومجلس الدولة ويرتبط بعلاقات مؤثرة مع بعض المليشيات في الغرب الليبي، ولاسيما طرابلس ومصراته، ولكن هذا التيار رغم تأييده للاتفاق السياسي إلا أن موقفه المعادي لمؤسسة الجيش التي يقودها المشير خليفة حفتر في الشرق يجعل نجاح الاتفاق في حكم المستحيل نظرا لما تمثله هذه المؤسسة العسكرية من قوة في الشرق الليبي وجنوبه وما لها من امتدادات في بعض مناطق الغرب، ولهذا فإن أي تواصل أو تفاهمات بين هذه المؤسسة وأي جهة محسوبة على المجلس الرئاسي أو مجلس الدولة لابد أن تثير خلافات مع تيار الإسلام السياسي.

المليشيات السلفية التي رغم مرجعيتها الدينية إلا أنها- في ما يبدو- على خلاف وربما تناقض مع كل القوى التي سبق ذكرها ولكنها تبدو هي الأقوى والمسيطر على معظم مناطق العاصمة بعد أن تمكنت من طرد عدد من المليشيات المناطقية والمتطرفة من العاصمة بتأييد من المجلس الرئاسي الذي وجد في هذه المليشيا السلفية قوة اكثر انضباطية من غيرها فتبناها كذراع مسلح يحتمي بها عندما تحتدم الصدامات المسلحة في العاصمة وتدلهم بها الأحداث.

الكتلة المجتمعية المدنية التي لا تتبع أيا من تلك القوى، بل هي على نقيض معها لأنها لا تريد دولة لاهوتية تفرضها الجماعات الدينية المسلحة ولا دولة شمولية تفرضها حراب العسكر وإنما تريد دولة مدنية تخضع فيها السلطة لإرادة من ينتخبونها في اقتراع حر خال من الإذعان.

هكذا بدت بانوراما الخلافات والاختلافات بين القوى التي تعتبر جغرافيا متواجدة في المناطق المحسوبة على المجلس الرئاسي ومجلس الدولة اللذين ظلا طوال سنتين يعكسان أفعال وردود أفعال تلك القوى فأخذا يبحثان عن مخرج من هذا الوضع شريطة ألا يكون في مصلحة الطرف الآخر المتمثل في محلس النواب وشركائه.

إن فكرة الانتخابات جاءت في وقت سدت فيه كل السبل أمام أطراف وقوى الصراع وعجزوا عن الخروج من مأزقهم سواء بحل سلمى يوائم بين مصالحهم المتعارضة أو بحسم عسكري لا تسمح به توازنات القوى المحلية ولا مصالح القوى الدولية.

لا شك أن مسيرة اتفاق الصخيرات كانت لها تداعياتها أيضا على العلاقة بين مجلس النواب وقيادة القوات المسلحة والحكومة المؤقتة، فقد جمع بين هؤلاء منذ البداية هدف محاربة الإرهاب ولهذا فقد تبنى مجلس النواب قبل أن ينقسم على نفسه القوات التي كانت تحارب الجماعات المتطرفة وعين قيادات هذه القوات واعتبرها هي نواة الجيش الليبي، كما أبقى على الحكومة المؤقتة تجنبا لانقسام البرلمان حول تعيين رئيس وزراء جديد، غير أن هذا المشهد لم يستمر طويلا، فبعد توقيع اتفاق الصخيرات دخل البرلمان في حالة الانقسام وأصبح عاجزا عن عقد جلسة بنصاب قانوني فتحول إلى هيكل لبقايا مؤسسة يتصرف رئيسها في معظم الأحيان بمعزل عنها ولم تكن الحكومة بأحسن حال من البرلمان فقد أصبحت شبه عاجزة عن آداء وظائفها سواء بسبب عيوب بنيوية لا يمكن إصلاحها أوبسبب الأزمة الاقتصادية التي تغرق فيها ليبيا منذ سنتين، بينما أخذت العلاقة بين رئيس البرلمان باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة حسب قرار البرلمان والقيادة العامة للجيش، تتآكل مع مرور الوقت وبدا للبعض من خلال وقائع وتصرفات وكأن القيادة العامة للجيش لا تبدو معنية بالقيادة المدنية العليا في الوقت الذي يتوقع فيه رئيس البرلمان أن يمارس صلاحياته كقائد أعلى، ولم ير الناس أيا من قيادات الجيش تأتي لتتحدث أمام البرلمان منذ تعيينها، كما أن ما قام به قائد الجيش من زيارات ولقاءات دولية وعقد تفاهمات، لابد أنه ينظر إليه من طرف رئيس البرلمان والكثير من أعضائه على أنه تجاوز للسلطة السياسية من قبل المؤسسة العسكرية، ولعل القيادة العسكرية من جانبها ترى في البرلمان بقايا مؤسسة متشظية عاجزة عن آداء وظائفها فأصبحت في نظرها عبئا عليها وليس نصيرا قويا لها.

لاشك أن النظرة السلبية وعدم الرضى المتبادل واهتزاز العلاقات بين هذه الأطراف والقوى تغذيها أيضا ظروف غاية في القسوة تحيط بالوطن وأزمات خانقة تطبق عليه لتقوده نحو هاوية لا قرار لها ما لم يبادر الجميع إلى إيجاد مخرج يقود إلى مسار إنقاذ الدولة قبل التفكير في تقاسم سلطاتها.

توج حلول السابع عشر من ديسمبر الماضي هذه الخلافات بشكل علني وذلك حينما أثار جدلا وتصريحات وإعلانات من قبل بعض القوى التي ليست أطرافا في الاتفاق تعلن فيه عن نهاية اتفاق الصخيرات وبالتالي سقوط كل ما نتج عنه من أجسام مما دفع مجلس النواب ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي إلى اتخاذ موقف موحد، لأول مرة، يؤكدون فيه استمرارية هذا الاتفاق وبالتالي عدم سقوطهم كمؤسسات، فكان هذا أول افتراق علني بين هذه الأطراف وبين القوى الداعمة لها أو المتحالفة معها.

لقد تآكلت علاقات المصالح والتحالفات وضاق كل الأطراف والقوى الليبية ببعضهم البعض مثلما ضاق المجتمع ذرعا بوجود هؤلاء جميعا على مسرح العبث السياسي، لهذا فإن فكرة الانتخابات التي طرحها الممثل الأممي غسان سلامة لاقت قبولا لدى غالبية المجتمع رغم تحفظات البعض وما ينتظرها من احتمالات الفشل، ذلك أنها جاءت في وقت سدت فيه كل السبل أمام أطراف وقوى الصراع وعجزوا عن الخروج من مأزقهم سواء بحل سلمى يوائم بين مصالحهم المتعارضة أو بحسم عسكري لا تسمح به توازنات القوى المحلية ولا مصالح القوى الدولية، ومن هنا فإن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف المجتمع الدولي، بدت للكثيرين هي المحاولة الجدية الممكنة رغم كل التحفظات والمخاوف والاحتمالات.