Atwasat

الأحزاب السياسية ضرورة حتمية

إيهاب العريبي الثلاثاء 27 فبراير 2018, 05:40 مساء
إيهاب العريبي

لاشك إن الصراع على السلطة أمر طبيعي جدا أفرزتة الغريزة البشرية ووظفته فطرة الإنسان، وعلي مدار التاريخ اتخذ هذا الصراع أساليب وأشكالا مختلفة، ولكن جمعها العنف والاقتتال، جذب هذا الصراع رجال الدين الذين مارسوا احتكار السلطة بشكل مباشر (الكنيسة ودور البابا في أوربا) بحجة أنها منحة إلهية لهم دون غيرهم، وبشكل غير مباشر عندما اُستعمل الفقهاء والعلماء المسلمون من قبل الحكام لتوظيف الدين الإسلامي لإضفاء الشرعية على حكمهم رغم نهي الرسالات السماوية عن هذا العنف وتحريمها قتل الإنسان لأخيه الإنسان.

بعد القضاء علي سلطة الكنيسة وانتصارالثورة الصناعية دعت الحاجة أوربا لتأسيس وإنشاء كيانات تمثل القوى المتصارعة على السلطة بشكل ديمقراطي سلمي دون الحاجة لإراقة المزيد من الدماء، هنا ظهرت الأحزاب السياسية وفق إيديولوجيات وأفكار وآراء أصحابها تجمعهم المصلحة في صراعهم المجتمعي علي السلطة.

 بعد القضاء علي سلطة الكنيسة وانتصارالثورة الصناعية دعت الحاجة أوربا لتأسيس وإنشاء كيانات تمثل القوى المتصارعة على السلطة بشكل ديمقراطي

بالعودة لتاريخ نشأة الدولة الليبية الحديثة نجد أن الحراك السياسي لمواجهة الاستعمار الإيطالي قد بدأ خارج ليبيا بعد انتهاء المقاومة المسلحة وشهد الصراع من أجل استقلال ليبيا بعد انتهاء الحرب الكونية نشأة العديد من الأحزاب السياسية في بنغازي وطرابلس ودرنة ساهمت في توعية الناس ونشر الثقافة العامة والمساهمة الفعالة في نيل الاستقلال، ولكن بعد الاستقلال منعت الأحزاب السياسية من مزاولة نشاطها وتم حلها خوفا على وحدة البلاد وتماسكها، وهو أمر يمكن تفهمه في ظروف الدولة الوليدة، وربما كان الخطأ في عدم السماح لها بمزاولة نشاطها في الفترة اللاحقة من ستينات القرن الماضي بعد انتشار التعليم والثقافة وإنشاء الجامعة الليبية، كل هذه العوامل ساهمت في تأكيد رفض الأحزاب السياسية.

ظل هذا الأمر ساريا حتي بعد الانقلاب العسكري سنة 1969 حتي تم تخوينها وتجريمها بشكل رسمي بصدور الكتاب الأخضر وإعلان السلطة الشعبية سنة 1977*، كذلك كان للعامل الديني تأثيره القوي برفض العملية الديمقراطية وتحريم الحزبية نتيجة التفسير الخاطيء لآيات القرآن الكريم، ومحاولة إسقاط الماضي علي الحاضر رغم التراكم المعرفي للمجتمعات الإسلامية وتطورها.

ما دعاني للكتابة في هذا الموضوع هو رفض الليبيين بشكل عام بمن فيهم بعض المتعلمين وهو أمر أراه مخجلا ومقلقا له مخاطر عظام في ظل المتغيرات التي حدثت في ليبيا في السنوات السبع الماضية وما صحبها من حريات عامة وتداول سلمي للسلطة من خلال انتخابات عامة وأيضا أن ليبيا قادمة على استحقاقات مهمة من انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ساهم فشل الأحزاب السياسية خلال تجربة المؤتمر الوطني في الخروج بالبلاد من المرحلة الانتقالية وانشاء دستور دائم للبلاد في نشر ثقافة رفض الأحزاب السياسية، أيضا تراكمات الماضي بتحريم الأحزاب السياسية ورفض الملك الراحل لها بل تخوينها وتجريمها حقبة حكم القذافي دون معرفة أو مناقشة لماذا فعل القذافي ذلك رغم عدم وجود أحزاب أو تجربة حزبية إبان حكمه.

 الأحزاب السياسية هي آخر ابتكار في مجال التداول السلمي للسلطة قدمته الدول المتحضرة التي تحترم آدمية الإنسان وتبجل حقوقه

ومن خلال المقارنة الواقعية بين أداء المؤتمر الوطني ومجلس النواب بعيدا عن التجاذبات السياسية (أدائها كبرلمانات) نجد أن أداء المؤتمر كان أفضل بكثير من أداء مجلس النواب حيث كان الصراع داخله هو صراع سياسي بين كتل سياسية بعكس مجلس النواب لم يكن به كتل سياسية بل سيطر عليه الانتماء الجهوي والقبلي نتيجة انتخاب أعضائه بشكل فردي الأمر الذي أبرز دور القبيلة في نجاح أبنائها في الانتخابات.

ما يقلقني هو تعاظم المنهج القبلي وهو أمر طبيعي في ظل عدم وجود أحزاب سياسية لحاجة المرشحين للأصوات التي تمكنهم من الفوز والتي لا يمكن جمعها إلا من خلال القبيلة، ومأساة هذا المنهج القبلي هو عزوف الكثير من الكفاءات الوطنية التي ترفض بشكل قاطع الخوض في الانتخابات وفق آلية القبيلة.

الأحزاب السياسية هي آخر ابتكار في مجال التداول السلمي للسلطة قدمته الدول المتحضرة التي تحترم آدمية الإنسان وتبجل حقوقه والتي أنتجت لنا كل العلوم المتطورة.

* تجريم الأحزاب في ليبيا تم سنة 1972. (المحرر).