Atwasat

دريد عزوز، وخليل أبو عبده، وإيان كوري..وحديث في الديمقراطية

فؤاد سيالة الأربعاء 21 فبراير 2018, 08:39 صباحا
فؤاد سيالة

في علم "ميكانيكا الموائع"، كان د. دريد عزوز ود. خليل أبوعبده ومن بعدهما البروفسور إيان كوري يعلمونني أن الموائع، وهو لفظ يقصد به السوائل والغازات معًا، تبحث دائمًا عن أقل المسارات ممانعة عند انسيابها انسيابًا حرًا بدون قوة تدفعها في مسار معين.
هذه ظاهرة فيزيائية يخبرها الجميع ويعيشون معها ويكيفون تدفقات الموائع التي يحتاجونها في حياتهم وفقها، ولكنها تتعدى السوائل والغازات في حياة البشر لتصل إلى تصرفاتهم في معظم شؤؤنهم، وعندها يطلق عليها "الخيار الأسهل".
إذا خُيّر الإنسان بين خيارين، فالمنطق يحتم عليه أن يختار، في معظم الأحوال، "الخيار الأسهل"، لأن هذا الخيار هو بالتأكيد أقل كلفة: اقتصادية أو اجتماعية أو من حيث سلامته الشخصية أو غير ذلك من مقاييس الكلفة، تمامًا مثل ما يكون أقل المسارات ممانعة بالنسبة للسوائل والغازات أقل استهلاكًا للطاقة.
ومن هذا المنطلق، يكون مفهومًا تمامًا، بعد سنين جحيمية مؤلمة، أن تنتشر بيننا، نحن الليبيين، صرخات ترتفع بأعلى الأصوات، تندب اليوم الذي مارس فيه أغلب الليبيين المعاصرين الانتخابات (صبعي نقصه كاني صوتت مرة ثانية)، ثم لا تجد مانعًا في جلد ظهورنا كلنا (احنى شعب ما ينفعش فيه إلا العصا)، لكي تصل إلى النتيجة المنطقية التي يسوق لها الطرفان السياسيان اللذان هما في الظاهر على طرفي نقيض (ليبيا ما ينفع فيها إلا ديكتاتور عادل). هذه النتيجة يسوق لها، كما قلت، طرفان: أحدهما يستبدل لفظ (ولي الأمر) بلفظ الديكتاتور، والثاني يتسبدل لفظ (حكم عسكري). في حقيقة الأمر، من وجهة نظري، أن الطرفين سواء، وأن التناقض بينهما، على قوته، ظاهري فقط، وأن ما يجمعهما أقوى بكثير، وإن جاهدا في إخفائه: الفاشية، وسابقتها الفرعونية..
مفهوم، كما قلت، انتشار هذه الصرخات بيننا.. فالخيار الأسهل والمسار الأقل ممانعة هو أن نسلم قيادنا إلى (سيدنا)..
كيف أعلم أولادي؟.. فلأترك القرار للمعلم الأول، فهو بالتأكيد أعلم مني بما يصلح أن يدرسه أولادي..
كيف أعالج أمراضي؟.. فليعالجني الطبيب الأول، فهو لاشك أدرى مني بشؤون الطب والصحة..
كيف أبني بيتي؟.. سوف يبنيه لي المهندس الأول، فهو يقينًا أفهم مني في فنون العمارة وتخطيط المدن..
كيف أصنع اقتصادًا حقيقيًا لبلدي؟.. ولماذا أشغل فكري في هذا؟ الاقتصادي الأول سوف يدلنا على طريق الرخاء..
كيف أحفظ أمني؟.. لا، هذه بالتأكيد سوف يتولاها الشرطي الأول، فهو أقدر مني على القضاء على الجريمة..
فليقدنا إلى السعادة فخامة البطل الأوحد، وليدخلنا الجنة فضيلة البحر العلامة.

ما أسهل أن أتبع المسار الأقل ممانعة، وأن لا أشغل بالي بهذه الأمور..
ولكن، هل يكون ذلك دائما ضمانًا حقيقيًا لما يجب أن يكون عليه تعليم أولادي وصحتي واقتصاد بلادي وأمني؟
قد يتسرب الماء بين حبات الرمل، متخذًا مسارًا متعرجًا بينها، لكنه دائما الأقل ممانعة، ثم يتجمع في حفرة.. هذا الماء تنبت حوله بضع نخلات، ومساحة صغيرة من العشب، لكنه أبدًا لن تقوم عليه زراعة كبيرة دائمة.. تلك النخلات والعشب ستظل دائمًا واحة صغيرة وسط صحراء قاحلة شاسعة.. وسنظل دائما نشكو من "التصحر"..
لن نعمر الأرض وندفع التصحر إلا بقوتنا متضافرين، لكي نجبر الماء على التدفق في مسار نريده، ليس الأسهل ولكنه الأفيد..

الآن، دعنا نتفحص الصرخات التي تنتشر بيننا تحت  قوة تكبيرة أكبر قليلًا من مجرد (تحليلات المحللين السياسيين):
- صبعي نقصه كاني صوتت مرة تانية: لعل العيب حقيقة ليس في (صبعك) المسكين، ولكنه في الظروف التي جرت فيها الانتخابات التي خضناها معًا.انظر هناك.. في تلك الزاوية تحت المجهر.. ألا ترى معي، يا صاحب (الصبع)، أن تلك كانت أول انتخابات نخوضها في ليبيا منذ نصف قرن تقريبًا؟ ألم تر أن من ترشح فيها هم أنت وأنا وغيرنا من مخلفات نصف قرن لم نعرف فيه كيف نوازن بين المواقف، ومن بقايا قرون ضاربة في مجاهل التاريخ لم نعتد فيها على مقارعة الحجة بالحجة؟ إذا كنت يا صاحبي ترى ذلك، ألا توافقني أن مخرجات تلك الانتخابات هي النتاج الطبيعي لنومنا الهانئ الطويل؟
- حنى شعب ما ينفعش فيه إلا العصا: ما أراه تحت المجهر، يا صديقي، هو شعب ككل خلق الله عز وجل.. إن شئت، طبق على هذا الشعب منحنى التوزيع الطبيعي الذي درسته في مبادئ علم الإحصاء. ألست ترى أن أقلية من الشعب تكاد تكون ملائكة في أخلاقهم، وأن أقلية أخرى تكاد تكون الشياطين في شرورها، ولكن الغالبية هي بين هذا وذاك، تخطئ وتصيب، تصلح وتفسد؟ لا أختلف معك أبدًا على حتمية استخدام العصا لضرب الشياطين، ولكن ألا توافقني يا عزيزي أنك، في حقِّ سواد الناس الأعظم، مجحف في حكمك.. جدًا ..؟
- ليبيا ما ينفع فيها إلا ديكتاتور عادل: نظرت من خلال المجهر يا صاحبي، فوجدت أن الديكتاتورية والعدل كالليل والنهار، لا يلتقيان أبدًا. ورأيت أن ليبيا حكمها ديكتاتور، فهل تراه نفعها؟ ووجدت أن فرعون قد أهلك قومه، وإني أربأ بك أن تكون كالسامري الذي أغوى قومه بعجل صنعه لهم من الذهب الخالص، براقًا لامعًا، لكنه خواء لا يحيي ولا يميت.

سمّها ما شئت.. ديمقراطية أو دلاعة.
أنا أسميها حريتي في أن لا أسلم مصيري ومصير أبنائي ومصير بلادي إلا لمن يرتضيه عقلي..
لأنني بشر، سوف يخطئ عقلي مرة ومرات..
ولأنني بشر، سوف أتعلم من كل خطأ..
ما أرجحه هو لأننا بشر سوف نتعلم من كل أخطائنا..
أما ما أنا متيقن منه هو أننا إذا لم نمارس حرية اختيارنا، فسوف لن نورث أولادنا سوى المهمة المستحيلة..
مهمة البحث عن المستبد العادل.