Atwasat

فاضل المسعودي الاسم الحركي للسيرة العطرة

أحمد الفيتوري الثلاثاء 20 فبراير 2018, 10:25 صباحا
أحمد الفيتوري

(... ومن يُفضلون الأمن على الحرية لا حق لهم في العيش) - غاندي
(الحرصُ الأبله على الاتساق الجني الذي يسكن العقول الصغيرة) - ايمرسون

1-


تمعنتُ في النص ما منحني صديقي كثيرا، ثم علقت: النص جميل ،ويشي بأثر الكاتب فلان، قفز كأنما لدغته بسم عقرب نافيا أنه مطلع على أيما كتابة لعلان ما ذكرت...
قلت: على رسلك يا صديقي فالتناص ليس من الضرورة أن يكون مباشرة، ثمة تناص مركب، فكما للفكرة نقال فإن للأسلوب أيضا نقال، ومما يعني هذا أن مصطلح مدرسة كما مصطلح مذهب هو انتشار رؤية أسلوبية أو فكرية حتى غدا لها مُريدون، ولذا يصح القول إني لم أطلع على نصوص لسقراط فهو كما هو معروف لم يترك مدونات، لكن محاورات تلميذه أفلاطون كفلت مهمة أن نعرف سقراط. كذا لم يكن مذهب غاندي - الذي هو ليس بكاتب- مدونا لكن كُثر من اتخذ ذا المذهب أسلوب حياة وطريقة نضال كمارتن لوثر كنج. وما أكثر المُدعين بمعرفة دون مطالعة مكتوب ولكن من خلال ما تُنوقل عنه. كذا من باب الزيادة فالكثير من العلوم تنوقلت مشافهة في العصور القديمة، عن ممشى سقراط، كما جلاس جوامع بغداد وقرطبة وما شابه...

2-

أستطيع الادعاء بل والتوكيد أن "فاضل المسعودي" هو غاندي ليبيا!، موكدا في نفس الموضوع أني لم أعرف هذا الفاضل كشخص ولم أقابله البتة، وإن كنت نشرتُ ملفا عنه بجريدتي (ميادين)، بل ولم أطالع أيما عدد من جريدته (الميدان)، وإن تبجحت فأقول قرأت له مقالة أو اثنتين وعبر الموقع المميز "ليبيا وطننا" بفضل صاحبه "إبراهيم غنيوه" على ما أذكر، وكذا طالعت عددا يتيما من مجلته "الميدان".

مما تقدم لا يعني عدم مطالعة مكتوب فاضل المسعودي أني لم أعرف الرجل، وحيث أن الأسلوب الرجل فإن طريقة فاضل المسعودي هي أسلوب حياته ما تم تداوله بين معجبيه وخصومه، وأثر رؤيته وأُسلوبه تسرب فيَ عبر مسارب عدة، فالرجل لم يكن العَلم وحسب بل وكان كالمثل: أشهر من نار على علم، منذ التكوين الأول لما درس في القاهرة مطلع خمسينيات القرن العشرين ساهم في إنشاء (نادي الطلبة الليبيين بمصر) ومجلته (صوت ليبيا) التي سيساهم في إعادة الحياة إليها في نشرها الثاني مطلع ثمانينيات ذات القرن.

منذها وسم النفس بالمعارضة/ العلامة التي ليست موضة يتمزى بها، لكن عجين الروح وخلائط النفس التواقة للحياة الأفضل ما هي مراد وأمنية وأمل لا يطال، وفي هذا المثقف الذي لا جمهور له لأن ما يطرح جديدا وليس للجديد من مريدين، إنما المأمول يتم بالشغل لذلكم. هذا المنزع نزعه كفرداني في أطروحته اليسارية ما حينها رفضها كما انتشارها، بل إن تهمة التيسر متيسرة وغالبة فتجعل اليساري الفاضل المرفوض.

في هذا التفرد لم تغلب الأيديولوجيا فاضل المسعودي من غالبها وغلبها، لذا فإنه المتفرد صاحب الجماعة، من يجمع عليه بأنه الناقد المنقود من لا يغيب عن العمل الجماعي ومن يستغيب. هذا الشغال كالنحلة لم يفرز في الفكر ما هو زاده، ولم يشغل فكره بالنظري فنتاجه في فعله كصدار مميز في عالم الصحافة الليبية (الميدان) أو قبل عمله في جريدة (فزان). وفي هذا تجسد على خشبة الحياة كممثل للمعارض الحق، حيث المعارضة من ضرورات الحياة والنقد من لزومياتها، فعنده أن النقد فرز وتجديد وتعيير، فهو ناقد معياري معياره اليسار مما يعني الذود عن المظلومين، وعن الحق في الاختلاف كأنه محامي التفرد والفرد في هذا.

لكن هذا الناقد المعارض اتخذ النضال السلمي الأسلوب الأوحد، إنما بطريقة المسلح بالشجاعة وليس بالجبن عن المعركة، حين لزم العراك عارك الأنظمة السياسية، حتى إنه وزملاءه أبعد من مصر زمن الدراسة، وليحصل على ترخيص بإصدار جريدة التجأ الى القضاء حتى المحكمة العليا وحصل على مراده: لسان حال المعارضة زمن النظام الملكي في ليبيا، أما زمن الانقلاب العسكري فقد أغلقت جريدته (الميدان) وكان أواخر عام 1969م من أوائل المهجرين عن البلاد بعد أن استُهدف بالاعتقال جورا.                  

3-

لم ينجح كفرد في الفوز ضد المنظومة الفاشية المسيطرة على ليبيا، لم يفز بالديمقراطية في ليبيا خلال عقود أربعة عاشها بالنضال السلمي من الخارج، كما لن تحقق ثورة فبراير 2011م هذه المهمة، ما عمل من أجله وما تاق إليه مهمة تاريخية بشرية معقدة  دور فاضل المسعودي فيها كما النحلة في الخلية، جميعنا يحتفي بالنحلة المفردة وجميعنا نفرح بالخلية ونجني عسلها لكننا ندرك أيضا أن العسل نتاج الخلية ما مات ذكورها لتلقيح الملكة!
لقد ثقلت روح هذا المناضل السلمي بحمل سلاحها، وأوجعها طول الطريق وأكثر المنفى، وبطبيعة الحال النكران حينا وحينا النسيان الذي يشبه الاغتيال، مثلما مُصاب غاندي من قتلهُ العنف ما منح العمر ضده أخذ الروح أيضا.

لكن السيرة العطرة كثيرا ما لا يطال عطرها الجسد الحي بل الروح الحية ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• عنوان المقال مستعار من ملف أصدرته مجلة (الفصول الأربعة)، مجلة اتحاد ادباء وكتاب ليبيا، برئاسة تحرير يوسف الشريف: على صدقي عبد القادر الاسم الحركي للوردة من إعداد عمر الكدي ومجاهد البوسيفي، نهاية القرن الماضي، على ما أذكر.