Atwasat

الكرسي الآخر

محمد المغبوب الإثنين 19 فبراير 2018, 12:53 مساء
محمد المغبوب

ليس للكرسي من ضد له أو زوج إلا بعدمه فلا ينبغي لأي كرسي آخر يوازيه فهو واحد لا غير في السلطة على وجه أخص وليس إلى طاولة الطعام أو في صالة اجتماع حيث تكثر الكراسي وتتساوى، لكن حتى في هذه الحالة يوجد كرسي صاحب البيت كما يوجد كرسي من يدير الاجتماع.

الكرسي هنا منذ أمد طويل جدا ارتبط بالسلطة وتم تضخيمه إلى العرش عند بلقيس وعند فرعون مثلا فصاحبه ملك مرة وطاغية أخرى.
في ليبيا كان كرسي الملك وكان كرسي القذافي عند مجلس قيادة الثورة أولا ثم بعد سنة 77 وحل المجلس استحود عليه وصار صاحب الكلمة العليا حتى عند مؤتمر الشعب العام كان أمين المؤتمر يستعير نفس الكرسي لكن ليس له خالصا.
هكذا حال الكرسي دائما محل نزاع فهو لا يتسع إلا لمؤخرة واحدة منذ أول الجلوس إليه يصير مالكه ويصير محل نزاع عليه أما حين جاءت فبراير اشتد التنازع عليه  وصعب تقسيمة فظهرت فكرة توسعته وتحويله إلى أريكة يمكن أن تتسع لأكثر من شخص بلسان طويل.
فقد حدث هذا حين المجلس الانتقالي وأمتد إلى الكراسي الثلاثة عقيلة والسويحلي والسراج فيما بدا لنا تلويح جبريل والغويل وقطيط وزيدان واضحا تشرئب أعناقهم إلى الكرسي الواحد وإبعاد كل الكراسي الأخرى التي يتمترس عليها السابقون الأولون وهكذا يبدأ الصراع لشدة النزاع.
لابد أن هناك من يحشد همته  ليقفز على الكرسي الوحيد يمتطي أحدهم السلاح وغيره الدين والبعض من الأيدلوجيا فيما تظل الغاية واحدة بمال أو بقوة أخرى  والجميع ينسى أن كرسيا آخرَ عند آخر الرواق ثمة من يجلس عليه وعلى نحو جديد.
إن الكرسي الآخر هنا يتمثل في الناس ومن بينهم النخب من مثقفين وإعلاميين ووطنيين، بل حتى الموظفين والطلبة والعسكر وشرائح أخرى ضمن هذا الصراع يبنون الكرسي على شكل مختلف وبتشكيل مغاير فهو الكرسي الذي تجده ولا تراه.
هذا الكرسي هو صوت الجميع نسمعه في الشارع العام وداخل البيوت وعلى شبكات التواصل الاجتماعي  وفي القنوات الفضائية وحتى الخربشات على الجدران.
كرسي يتسع إلى كل مكونات المجتمع تصرخ في الوجود رغباتهم وإراداتهم بل حتى رفضهم المحموم مرة على نحو منظم لا تدري كيف كان ومتى صار، وأخرى على نحو عشوائي تتجمع فيه الفكرة الواحدة  وعند اكتمالها نجدها قد واتت وقتها فتكون واقعا يشبه الانفجار في قارورة عسل.
كل كرسي من الكراسي الثلاثة  فرح بما لديه من متعة المكان ورفاهية الفضاء وفخامة صدى صوته في الاتجاهات الأصلية والفرعية دون حساب لكرسي لا يرونه مع أنه يقض مضاجعهم.
ذلك الكرسي هو الذي كان يجلس عليه بروتس ومن معه قديما وحديثا، عبد الناصر ومن معه وهو ذات الكرسي الذي أعطاه البوعزيزي للتونسيين.
إن أفضل الأحوال في كرسي واحد فقط وإن تعددت بين أركان القاعة فالجميع ليس إلا الأرض مقعدا لهم في أحسن الحالات يجلسون على حصير.
فسبحان من كان عرشه على الماء، و (.. وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم).