Atwasat

فِبْرَايـِر فِي ذكراها السَّابعة

شكري السنكي الإثنين 19 فبراير 2018, 12:55 مساء
شكري السنكي

تمر علينا اليوم الذّكرى السّابعة لثورة فبراير.. ذكرى التخلّص مِن المستبد ونظامه.. ذكرى الهتاف العارم باسم ليبَيا ولأجلها، وبرحيل الدّكتاتور وإقامة دولة المؤسسات والتداول السلمي على السّلطة. الذّكرى الّتي ينبغي أن نجدد فيها ولاءنا للوطن الّذِي عانى زمناً طويلاً.. ونؤكـد فيها التفافنا حول راية الاستقلال الّتي تمثل التّاريخ والرمزية، وميراث الآباء والأجداد المؤسسين للدولة الِلّيبيّة.

تمر علينا اليوم ذكرى ثورة السّابع عشر مِن فبراير.. فبراير الّتي أسقطت المستبد وتركت مسؤوليّة بناء الدولة على كاهل جميع النَّاس. ولا شكّ أن مَا هُو جارٍ اليوم موجع ومؤلم وحزين جدَّاً، ولا أحد يرضى به أو يوافق عليه، ومجحف وظالم مَنْ يظن أن فبراير مسؤولة عنه وتتحمل وزر مَا هُو جارٍ فِي بلادنا مِن ظلم وفرقة وقتال ووضع ينذر بحدوث الكارثة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، حينما انتقلت السّلطة فِي المملكة المتَّحدة مِن جيمس جوردون براون الّذِي حكم مِن 27 يونيه 2007م إِلى 11 مايو 2010م، إِلى ديفيد كاميرون ثمّ تيريزا ماي الّتي تسلمت السّلطة 13 يوليو 2013م، لم نر انفلاتاً أمنياً فِي المملكة أو حرباً أهلية أو نزوحاً وهجرةً وخسائر فِي الأرواح والممتلكات، لأن البلاد مبنية على المؤسسات، والأشخاص يأتون ويذهبون، فلا رئيس بإمكانه احتكار السّلطة مدى الحيَاة وتوريثها لأبنائه مِن بعده، ولا بإمكانه ربط مصير البلاد بمصيره، فلا أحد يجرؤ أن يقول: «إمّا أن أحكمكم أو أقتلكم»، كمَا قالها القذّافي وأولاده بعْد اندلاع ثورة فبرايـر.
هكذا هي الدول الّتي تحترم نفسها وذي هي الدول الدّيمقراطيّة فِي العالم، أمّا مَا كان سائداً فِي بلادنا فكان شيئاً مختلفاً تماماً عَن بريطانيا وغيرها مِن البلدان، حيث حكمتنا سطلة مستبدة غيَّبت الدولة وصادرت حُقُوقنا وحرمتنا مِن التنميّة، ولهذا خرجنا فِي السّابع عشر مِن فبراير للتخلّص مِن حاكم جائر جثم على أنفاسنا أكثر مِن اثنين وأربعين عاماً، وحلمنا ببناء دولة كسائر الدول الّتي تحترم نفسها وتعطي الحق لشعوبها لانتخاب رؤسائها.
فبراير كانت مطلباً شعبياً لكلِّ الِلّيبيّين، وثورة ضدَّ رهن البلاد ومُسْتقبلها بإرادة شخص وقرار يصدر عنه، وضدَّ أن تستمر البلاد صورة شخصيّة لكائن مَنْ كان. وكانت ثورةً لأجل تحرير البلاد مِن قيود الاستبداد وإعادة شعور المواطـن بضرورة أن يلعب دوراً فِي رسم السّياسات الّتي تؤثر على حياته اليوميّة.
فبراير كانت ضرورةً لا مناص منها، وقد انتظرناها زمناً طويلاً.. وتجاوز محنتنا الحاليّة يعود إلينا ويرجع إِلى تصميمنا لأجل تحقيق أهدافنا كاملة ومواجهة المخاطر والتَّحديات كافـة، ولا يكون بالتراجع عمّا حلمنا به زمناً طويلاً أو الانتصار للاستبداد والرضا باحتكار السّلطة مجدَّداً وتغييب صندوق الاقتراع!؟.
وَفِي عهد معمّر القذّافي، كانت لدينا سلطة ولم تكن لدينا «دولة» بالمعنى المتعارف عليه، وجاءت فبراير لإسقاط العائق أمام استرداد الحُقُوق وبناء الدولة، وتركت مسؤوليّة بناء الدولة على عاتق النَّاس، ونجحت الثورة فِي إسقاط الدّكتاتور، وبعْد فترة وجيزة مِن إسقاطه دخلت البلاد فِي مرحلة أخرى، حيث تواجه اليوم مخلَّفات حكم الفرد وإرثه الثقيل، وتطرفاً ولَّده الفراغ وحدوداً جغرافيّة لا سلطان عليها، وثورةً مضادّةً زاحفةً لاسترداد السّلطة وإفشال مساعي بناء دولة المؤسسات والقانون.
والشّاهد، نجحت ثورة السّابع عشر مِن فبراير فِي التخلّص مِن حكم الفرد المستبد وتمكين النَّاس مِن التعبير عَن مطالبهم والدّفاع عَن حُقُوقهم، ثمّ إعادة صندوق الاقتراع الّذِي حُرِم الشّعب الِلّيبيّ منه طيلة سنوات حكم القذّافي لاثنين وأربعين عاماً، ليكون الجهة الّتي تعطي التفويض لإدارة شؤون البلاد وتنهي أيَّ خلافات سياسيّة. وتوَّجت ثورة فبراير 2011م نجاحها فِي 7 يوليو 2012م بتسليم السّلطة للنَّاس فِي انتخابات نزيهة وشفافة شهد لها العالم، ومَنْ يحاول اليوم تحميل الثورة - وبأيِّ شكل مِن الأشكال- وزر مَا هُو جارٍ مِن فرقة وقتال وتغييب الدولة وفقدان الأمن والإهدار فِي الأموال، يخلط الأمور، ويتجاهل الثورة المضادة، ويتغاضى عَن التآمر الخارِجِي، ويتغافل عَن الواقع المرير والإرث الثقيل الموروث مِن نظام معمّر القذّافي، ويتعامى عَن وقائع كثيرة يطول شرحها والحديث عنها.
ولا شكّ أن الثورة نجحت فِي هدفها الأساسي وقدمت لنا «فرصة» النهوض والتنمية الّتي حرمنا منها أربعة عقود مِن الزمان.. وثورة فبراير كانت لها آمالٌ وطموحاتٌ، وهدفت إِلى إسقاط الدّكتاتور وإزاحة قبضته القمعيّة، ولم يكن لديها مشروع بناء، حيث ترك ذلك للنَّاس، وهُو المشروع الّذِي يقع عبؤه الأكبر على النخب مِن حيث التفكير والتخطيط وتحديد الوسائل والمسارات.. وفبراير كانت مسؤولة قبل إسقاط الدّكتاتور وقد انتهت مسؤوليتها بمجرَّد وضع المسألة فِي يد سلطة منتخبة فِي انتخابات حرَّة نزيهة شهد لها العالم.
وإذ نقول إن فبراير ليست مسؤولة عمّا يجري الآن، فهذا لا يعني تبرئة مَنْ تولوا المسؤوليّة بعْد الثورة، ولا يعني قبولاً بما هُو قائم - وبأيَّ شكل مِن الأشكال- لأن الواقع لا يُرضينا بتاتاً، وليس الجاري هُو مَا حلمنا به وتطلعنا إليه، ولكن إحياء ذكرى فبراير موقف وواجب وطنيّ، لتجديد العهد للشهداء، والتأكيد على قيمة وطنيّة عظيمة، ثمّ التذكير بأن المشوار الّذِي بدأناه فِي فبراير 2011م يجب أن يستمر ولا يتوقف حتَّى الوصول لمبتغاه.
وأكرر فِي الختام، ما قلته سابقاً.. «.. الثورة كانت لحظّة مفصليّة فِي تاريخ ليبَيا، وإنّ السّابع عشر مِن فبراير نجحت في تغيير وجه ليبَيا، وليبَيا اليوم تنتظر منا جميعاً تصحيح المسار ومعالجة الأخطاء واستكمال المسير نَحْو النًّصر الكامل، والتغلب على الفتن والفرقة، وتجاوز كل العراقيل والعقبات والمشاكل كافـة الّتي تعترضنا، وأن نكون مدركين أن التّاريخ سيحاسبنا إنَّ لم نحسن النهايات كمَا أحسنا البدايات..».
أخيراً.. ستنتصر َفبرايـر حتماً، وإنَّ طال المشوار.. والعبــرة لمَـنْ يعتبر.