Atwasat

ثورة في منزلة المنزلتين




نورالدين خليفة النمر الأحد 11 فبراير 2018, 09:57 AM
alwasat radio

يظلم التوصيف بالمقارنة وقائع التاريخ التي يفتعلها البشر فيسجنها في ثنائية التحدي والاستجابة ويقولب المعتقدات والأفكار في تبسيطية التأثير والتأثر. ومُذ بدأت أتكلم وأكتب في الثورة الليبية في صحيفة فبراير الورقية عام 2012 تحاشيت ما أمكن مقارنتها بانتفاضتي الشارع في تونس ومصر وأعني بالثورة الفرادة الليبية قدر التاريخ ومكره الذي يجعل هذا البلد معتزلياً أبدياً اعتزال واصل بن عطاء لحلقة الحسن البصري في الكلام وعلمه في الثورة والثورة المضادة.

وبدا يصير من الاستحالة إعادة الكتابة في الثورة الليبية 2011 كمنزلة بين المنزلتين كما وصّف فكر المعتزلة مرتكب الكبيرة والثورة من كبائر حادثات البشر فنموقع الثورة الليبية بين اللاثورتين مظاهرات شوارع لتغيير رأس السلطة بحسم الجيش مع بقاء السلطة ذاتها.

في تونس بإرجاع الجيش لثكنته وإعادة إنتاج مؤسسة دولنة البايات البورقيبية حيث يدغم الرئيس التونسي كل يوم بروح المجاهد الأكبرالاتجاه الإسلامي في العلمنة. وفي الضفة الأخرى لبحر الرمال هناك «مصر: مجتمع يبنيه العسكريون» عنوان كتاب نافذ كتبه بالفرنسية عام 1962 أنور عبد الملك عن قصة الجيش المصري الذي يصنع مصر الحديثة من عام 1952.

النظام البرلماني في الدولة الليبية فاشل بامتياز لعدة أسباب مختلفة الجوانب فلابد من انتخابات رئاسية الهدف منها أن الرئيس سيبحث عن قاعدة شعبية أكثر عند الشعب لا من الكيانات التي يعتبر تمثيلها النيابي قاصرا ولا يمثل النصف زايد واحد بصورته الحقيقية. ايضا الانتخابات الرئاسية تقفل باب مصطلح التوافق الدخيل على الديمقراطية والذي هو في الأصل مصطلح الغلبة يلبس «ثوب الوفاق».

المنشور المقتضب في تسعة أسطر وصّف بلغة الاستعجال سمة الليبيين في انتظار الذي يأتي ولا يأتي «غودو» الانتخابات الرئاسية بديلاً عن البرلمانية الأزمة المجتمعية ـ الثقافية الليبية التي انعكست فيما يمكن وصفه بالسياسة الليبية.

النظام البرلماني في الدولة الليبية فاشل بامتياز لعدة أسباب مختلفة الجوانب

والتوصيف بضعةُ ما تعلمناه من عالم الغرب ليس هو تشخيص مرض السياسة الذي توكل مهمته في علم السياسة إلى السياسي Der politiker وعالم أو اختصاصي السياسةder Politikologe كلاهما ينظران للمشكلة في المؤسسة التي تنتجها السياسة.

حتى ولو كانت سياسة مشابهة لعمى البصيرة الليبية ولهذا نلاحظ وقلّةً من يلاحظون بأن سياسيّي الغرب المنهمين بحكم مصالح بلدانهم بليبيا لايجتمعون رغم أنهم لايسمعون منهم كلاماُ مفيداً إلا برئيس المجلس الرئاسي الذي لفقّه اتفاق الصخيرات ورئيس المجلس الأعلى الملّفق بالانقلاب على الشرعية المنتهية للمؤتمر الوطني العام، ورئيس البرلمان العائق المشلول لأية عملية سياسية تخرج ليبيا من النفق، وقائد الجيش الذي وصفه أحد الكُتاب بجنرال الجيش الميت - المميت وقائده ما انفك يصرخ بفمه المليان قائلا إنه قائد (مسمّى) الجيش وليس سياسيا بل لا اهتمام له بالسياسة صنعة السياسيين الذين لم يُصنعوا في مشهدية الثورة الليبية المسروقة على الإطلاق.

فمن رماد السياسة انبعثت المؤسسة الليبية لإدارة شبيه السياسة ولكن المشكلة أن هذه المؤسسة الانقسامية المنشعبة لثلاث محاصصيات نوّاب ورئاسي ومجلس دولة هي مؤسسات خديج ـ والخديج لغة الكائن الذي لم يكتمل خَلْقُه، أو اكتمل خَلْقه المفترض ولا يؤدِّي ما خُلِقَ له ـ وفشل الخديج كتبت عنه في بوابة الوسط مقالة بعنوان " In Praise of Failure مديح الفاشل".

ناطقٌ بالنباهة رمى إلى حل هروباً من فوبيا الهواجس الانتخابية إلى وعودها المُخرجة من نفق مظلم ليله بهيم هو النظام البرلماني التمثيلي إلى بصيص من نور هو النظام الرئاسي.

في كتابه "مديح الفاشل In Praise of Failure" يقرّ كوستيكا براداتان بأن الفشل الذي قد يسحقنا، هو ما ينبغي أن نسعى لخوض تجربته، مقترحاً ثلاث مراحل علاجية مُرفقة بثلاثة متطلّبات: عدا ـ إقرارنا المُسبق بمكانتنا المتواضعة في الكون، التي توصلنا إلى حالة الصدق مع النفس ـ التقدّم خطوة إلى الأمام بالعودة إلى أرض الواقع ومغادرة عالم الأحلام بين الفينة والأخرى؛ وصولاً للمرحلة الثالثة بأن ـ نلقي مرساتنا في قاع كينونتنا باستعادتنا توازننا الوجودي، حيث يصبح بإمكاننا الاستمرار والمضي نحو أمور أبعد وأوسع. ويختم وصفة التواضع بتبيان الحسّ الذي تغرسه فينا رّدة فعل علاجية على تجربة الفشل، إذا فهمنا الفشل بطريقة مناسبة وصحيحة وأيقنا به علاجاً للتظاهر الزائف وترياقاً مضاداً للغرور والعجرفة.