Atwasat

عوامل النجاح والفشل في بناء الدولة الليبية بين زمنين




عمر أبو القاسم الككلي الأحد 11 فبراير 2018, 09:36 AM
alwasat radio

كثيرا ما يطرح عدد متزايد من الليبيين تساؤلا، منبعه الحيرة والأسى، مؤداه: لِمَ، يا ترى، نجح الجيل المؤسس لدولة ما بعد الاستعمار في ليبيا في لأم التصدعات والتشققات والانقسامات التي عصفت بالشعب الليبي في مرحلة الاستعمار الإيطالي، حيث تواطأ معه أفراد وتعاونت جماعات ومكونات إثنية وشبت، في بعض المناطق من الوطن، حروب أهلية.

ورغم ذلك استطاع هذا الجيل المؤسس إقناع مجموع الشعب بتجاوز الآثار السلبية لهذا المسار التاريخي بشكل سلمي سلس، في حين تعجز الأجيال الحالية عن إنجاز عمل مماثل يخرج البلاد من المأزق الذي انزلقت إليه بعد التخلص من نظام القذافي الاستبدادي؟!

*

يبدو لي أنه من المهم تحليل الوضع الناشئ عن هزيمة الاستعمار الإيطالي في ليبيا، التي تمت بمساعدة أجنبية حاسمة، والظروف التي تكتنف الحالة الراهنة.

ففي فترة النصف الثاني من أربعينيات القرن العشرين توفرت رغبة شعبية عامة في أن تكون لهذا البلد دولة مستقلة وتوفرت قيادات وزعامات وتجمعات سياسية تتبنى هذا المسعى وتنظر إلى نفس الأفق وتمكنت في النهاية، وإن عبر بعض المخاضات الصعبة، من تغليب روح الوفاق الوطني على المصالح الضيقة، فردية كانت أو قبلية أو مدنية أو جهوية أو إثنية.

أحدث سقوط نظام القذافي غياب السلطة الضابطة غيابًا تامًا

إلى جانب ذلك كان ثمة سلطة قوية تبسط نفوذها على كامل البلاد قامت باحتكار العنف وكان بمستطاعها التدخل الحاسم في أي وقت شاءت، هي سلطة الإدارة البريطانية. كما إنه كانت هناك، ولأسباب متداخلة، إرادة الدول الأساسية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية التي ارتأت أنه من الأفضل استقلال ليبيا.

أظن أن هذه أبرز العوامل وأكثرها فاعلية في انتقال البلاد من وضع المستعمرة إلى وضع الدولة المستقلة، بسلاسة.

*

الوضع الحالي مختلف تماما. فقد أحدث سقوط نظام القذافي (ومرة أخرى بتدخل حاسم من الغرب) غياب السلطة الضابطة غيابًا تامًا. كما أن التطورات التاريخية تباعدت تمامًا عن الوضع التاريخي السابق الذي كان سائدًا في نهايات أربعينيات القرن الماضي.

إذ لم تكن موجودة، آنذاك، دول عربية مستقلة لها أطماع، من نوع ما، في ليبيا وبإمكانها التلاعب بمصيرها، وكانت تركيا آنذاك، وهي عابث أساسي بالمصير الليبي حاليا، دولة مهزومة ضعيفة.

وداخليا لم تكن ثمة مدن تعمل لأن تبسط سيطرتها بالقوة على البلاد برمتها ولم يكن يوجد إسلام سياسي متربص يحاول اللعب على الحبال، ولا رديفه الإسلام السياسي المسلح منفلت العقال الذي يقوم منهجه على الذبح والقتل والتخريب.