Atwasat

بعد أوباما:عودة أمريكا لعاداتها الأنتيكا

سالم العوكلي الأحد 04 فبراير 2018, 01:40 مساء
سالم العوكلي

كان وصول ترامب إلى أعلى منصب في أقوى دولة فوق الأرض نكتة قاسية، لم يتوقعها أكثر المتفائلين من مؤيديه ولا أكثر المتشائمين من معارضيه، خصوصا بعد تلك الفترة التي استعادت فيها سياسة الولايات المتحدة بعض إنسانيتها ووقارها إبان فترة رئاسة أوباما.

ولكن يبدو أن فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية لم يكن وليد غفلة زمن أو زلة صوت ناخب، لأنه يضمر في داخله نوعا من الاعتذار عن الخطأ الذي ارتكبته الصناديق بانتخاب أول رئيس أسود مهادن سيداً للبيت الأبيض، أو بمعنى آخر كان يضمر ندما على ذلك النشاز اللوني والإنساني الذي تسرب إلى النغم الأمريكي المعهود، والذي كان شبيها بذلك النشاز الكينيدي المعارض للمشروع النووي الإسرائيلي وحرب فييتنام الذي اغتيل في قلب مدينة دالاس. أو بمعنى آخر؛ كان انتخاب ترامب عقابا لمرحلة كان فيها السلام نشيد اللوثري الأسمر في البيت الأبيض رغم تصادمه مع كل اللوبيات التي يشكل السلام تهديدا بإفلاسها، وكان عقابا لفترة هدوء طبول البنتاغون، وخروج الدب الروسي من كهفه الثلجي إلى قيظ الشرق الأوسط، مستغلا فترة بيات الصقور الشتوي خلف الأطلنطي.

الأكيد أن ترامب لم يخدع أحدا وقدم برنامجه العنصري واضحا كعين الشمس

برسائل احتجاج على الماضي الأمريكي، ختم أوباما عامه الأخير في البيت بأول زيارة يقوم بها رئيس أمريكي لمدينة هيروشيما، متحف الوحشية اليانكية وجرائم الإبادة التي ارتكبها أباطرة المكتب البيضاوي الذين يتحدر ترامب من أصلابهم، وبأول زيارة لرئيس أمريكي منذ 88 عاماً إلى كوبا ، الجزيرة الجارة التي حوصرت لخمسة عقود لأنها رفضت أن تكون حديقة خلفية لأمريكا.

أوباما، المنشد الأسمر، الخارج من معاطف الملونين: غاندي ومانديلا ومارتن لوثر كينغ، الذي غنى عن السلام الممكن، ولو نظريا، عبر خطبه البليغة الراقصة بخصر إفريقي على موسيقى الريف الأميركي، كانت فترته الوجيزة؛ التي جاءت بين رعونة بوش الابن وحماقة ترامب الجَّد، تشبه لحظة سكون بين طلقتي مدفع، وكان أوباما الفتى شبيها بأولئك السمراوات الرشيقات، حاملات اللافتات، اللائي يخرجن فوق الحلبة بين جولات الملاكمة، فيلتقط المتفرجون أنفاسهم بعض الوقت قبل أن يستأنف الدم تناثره على حبال الحلبة.

يذهب الحلم الأوبامي الطالع من معاطف رسل القرن العشرين للسلام، ليأتي ترامب الخارج من معاطف هتلر وجوزيف مكارثي والأبارتيد، كي تستعيد الغولة الأمريكية صيتها التاريخي عبر حكايا الليل الطويل في نشرات أخبار العالم.

الأكيد أن ترامب لم يخدع أحدا، وقدم برنامجه العنصري واضحا كعين الشمس، وكلما أعلنت الإحصاءات تأخره عن المرشحة المنافسة زاد من جرعة العنصرية في تصريحاته فيصعد مؤشره درجات، وكان في الأيام الأخيرة يتقدم بسرعة هائلة عن وزيرة خارجية أوباما الشقراء وهو يخطط لبناء الجدار بين أرض الأحلام والكابوس المكسيكي، وهو يعلن طرد ملايين المهاجرين من أمة كلها من المهاجرين، وهو يعلن نيته عن نقل سفارته إلى مدينة القدس.

لم يخدع أحدا لكنه، أو لكن مديري حملته، عرفوا ذلك المكبوت العنصري لدى الأغلبية الناخبة التي لا تستطيع أن تعلن عنه إلا عبر وضع ورقة سرية في صندوق مخفي، وهذا المكبوت هو ما أدى إلى تشويش نتائج الاستطلاعات من قبل مؤسسات محترفة لم تخطيء يوما في توقعاتها.

رغم ذلك، وفي دولة دستور وقانون ومؤسسات، لم يستطع ترامب المتهور أن يفي بكل نذوره إلا ما يخص وعوده لإسرائيل ، حيث تلعب اللوبيات اليهودية النافذة دورا حاسما في فرش الطريق إلى البيت الأبيض، وفي ما يحصل داخل المكتب البيضاوي من مكائد تدير صراعات العالم وفق مصالح البنت المدللة، إسرائيل.

ترامب الذي ليس له أي تاريخ سياسي، والقادم من برامج التوك شو، يحرج كل مرة مستشاريه ودبلوماسييه بنزقه الذي لا يفرق بين كونه رئيس الدبلوماسية الأمريكية وبين كونه مشاغبا في حفلات العربدة الليلية، يصف دول قارة برمتها، تحدر منها سلفه، بأنها موطن للقذارة، ودون أن يعتذر عن صفاقته، وبعد أن أعلن انسحاب أمريكا من منظمة اليونيسكو ـ أعظم ما أنجز المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية ـ لأنها اعترفت بدولة فلسطين، يقرر نقل سفارته إلى القدس، ويستأنف قراره الطاعن أمل السلام في مقتل بقرار رئاسي يخفض نسبة المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة إلى وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأنروا" ، مقايضا المساعدات الأمريكية بجلوس الفلسطينيين على طاولة المفاوضات بشروط المحتل، ومستعينا بخبرته كرجل أعمال يعتقد أن المال والرشوة مفتاح كل باب مغلق، وكأن فلسطين ملف عقاري في أرشيف شركته المتاجرة بالعقارات.

ترامب رئيس أمة أبادت أهل الأرض الأصليين بين مجازر وتشريد

مثلما سبق أن قال ترامب، يقول نائبه المؤيد المتحمس لاستخدام إسرائيل القوة المفرطة ضد قطاع غزة، مايك بينس، في خطابه بالكنيست الإسرائيلي "أن الكتب المقدسة تعطي الحق لإسرائيل في كل فلسطين". ورغم ما في هذه الكلام من شعوذة وتحريف ، إلا أن داعش أيضا؛ التي يشن عليها ترامب ونائبه حربا، تستمد مشروعها الإرهابي من تحريف الكتب المقدسة نفسها، فالخرافة كانت دائما وراء العنصرية، من خرافات الجنس المتفوق التي غذت خيال هتلر بمحارق الهولوكوست، إلى الخرافة التي يتحدث بها بينس الآن في الكنيست الذي طُرد منه النواب العرب أثناء خطابه الكهنوتي.

لكن ترامب الذي لم يزيف برنامجه الانتخابي ونجح، لا يتناقض مع تاريخ أمته، لأنه هو أيضا رئيس أمة أبادت أهل الأرض الأصليين بين مجازر وتشريد، حين حمل أسلافه المهاجرون الأوائل أموالهم إلى العالم الجديد "وعدَوا أنفسهم شعب الله المختار، وأنّ عليهم أن يتمموا رسالة العبرانيين القدماء، ونظروا إلى دولتهم في نيو إنجلاند على أنها إسرائيل الجديدة، وفيها تقوم أورشليم الجديدة". كما ورد في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

وبالمختصر غير المفيد لخيال الحالمين في هذا العالم، ترامب تاجر بخيل عنصري، استطاع بدغدغته لغدد العنصرية الكامنة أن يصعد إلى أعلى منصب في أقوى دولة، ساخرا من كل من سخروا منه في بداية ترشيحه لنفسه. أما مديرو حملته فكانوا على اطلاع واسع على الاحتقان الكبير في الشارع جراء مزحة التاريخ التي أوصلت رجلا أسود إلى البيت الأبيض، وكان على ترامب الأصهب الذي يبدو وكأنه ساقط من أحد مشاهد أفلام أمير الظلام "دراكولا" أن يمحو آثار أوباما الذي يبدو كمجاز شعري شارد عن إحدى خطب مارتن لوثر كينج.