مصنعو الأحذية يدويا في الأردن يكافحون للحفاظ على مهنتهم

الأردني جميل القبطي (90 عاما) أقدم مصنع أحذية يدويا في الأردن بورشته في عمان، 2 نوفمبر 2021 (أ ف ب)

كان يطلق عليه لقب «ملك الأحذية».. لكن بعد عقود من تصميم الأحذية لملوك وأميرات ووزراء ونواب وأعيان وتصنيعها يدويًا، يخشى جميل قبطي (90 عامًا) من أن تقضي الأحذية المستوردة على حرفته.

ويقول القبطي الذي يُعد أقدم صانع أحذية في الأردن والذي بدأ بمزاولة الحرفة العام 1949 عندما كان في الثامنة عشرة من العمر، لوكالة «فرانس برس»: «بدأنا نفقد زبائننا الواحد تلو الآخر ونخسر، حتى وصل بنا الحال إلى إغلاق ثلاثة محال لعرض وبيع الأحذية التي نصنعها».

ويضيف وهو جالس في ورشته بمنطقة الجوفة الشعبية في وسط عمان يراقب بنظرات حزينة خمسة عمال هم آخر من تبقى من مؤسسته التي كانت مزدهرة يومًا مع 42 عاملاً: «في السنوات الخمس الأخيرة، بدأت مهنتنا بالتراجع أمام سيل الأحذية الرخيصة المستوردة التي أغرقت بها الأسواق».

ويتذكر القبطي الذي كان يشارك كل عام في معارض الأحذية في بولونيا بإيطاليا وفرنسا، كيف التقى بالملك الراحل الحسين بن طلال في معرض للصناعات المحلية نظم في الجامعة الأردنية العام 1961 فأهداه أربعة أزواج من الأحذية التي «أعجب بها كثيرًا».

ويشير على شاشة هاتفه إلى صورتين بالأسود والأبيض يقول إنها من الستينيات يظهر فيهما مع الملك الراحل في المعرض وفي مناسبة رسمية. ثم يروي «بعدها، واظبت ولمدة 35 عامًا على صنع أحذية الملك الراحل الذي كان يحبّ الأحذية الكلاسيكية ذات اللون الأسود». ويضيف بفخر: «كان يدعوني في الأعياد والمناسبات وعلى الفطور في رمضان، ومنحني وسام الاستقلال تكريمًا لمسيرتي الطويلة».

صنع في عمان
ويتابع القبطي أن الملك حسين استدعاه مرة في العام 1964 بعد عودته من زيارة إلى فرنسا التقى خلالها الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول. وينقل عن الملك أن الجنرال ديغول سأله عن مصدر حذائه، فقال له الملك، وفق القبطي، «من عندنا، هذا شغل عمان»، مضيفًا «هكذا أوصاني الملك أن أصنع حذاءين لديغول كهدية، وأتذكر أن المقاس كان كبيرًا».

ويؤكد القبطي أنه صنع أحذية أيضًا للملك الحالي ولمعظم الأمراء والأميرات في الأردن ورؤساء الوزراء والوزراء والنواب والأعيان والقادة العسكريين، مضيفا «كانت لدينا سمعة كبيرة بالبلد والكل كان يرغب ببساطة في امتلاك حذاء مفصّل يدويًا».

لكن لم يتبقَ من زبائن القبطي الذي كان يصنع في اليوم الواحد 200 زوج حذاء، اليوم إلا عشرة فقط، ما دفعه إلى الاتجاه نحو تصنيع الأحذية الطبية وأحذية الأطفال.

كان القبطي يستورد الجلود من فرنسا وإيطاليا وألمانيا. في محله الذي يضم على رفوفه مئات قوالب الأحذية التي غطاها التراب، تفوح رائحة الجلود. ويقول القبطي: «بقينا متمسّكين بتقاليدنا وبشغفنا وعزمنا على مواصلة هذا العمل الذي لا يوفّر دخلاً كافيًا» مع ارتفاع الإيجارات وكلفة الحياة الغالية. لكن المتجر صامد بفضل زبائنه الأوفياء. «عندي زبون يأتيني منذ خمسين عامًا، فكيف لي أترك هذه الحرفة؟».

الاندثار
وشهدت محال صنع الأحذية يدويًا في عمان «عصرها الذهبي» في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، على ما يتذكر رئيس جمعية مصنعي الأحذية نصر الذيابات.

غير أن المملكة انفتحت على الواردات، وسرعان ما طغت الأحذية المستوردة الصناعية على تلك اليدوية.

ويؤكد الذيابات لوكالة «فرانس برس» أنه يأسف لأن «الكل تخلى عن العاملين في هذا القطاع من حكومة ومسؤولين حتى شارفت هذه الصناعة على الاندثار». ويضيف: «لم يحصلوا على أي دعم، بل على العكس، حصلت سياسة إغراق وطوفان بالأسواق المحلية بالأحذية الصينية».

وبحسب نقابة تجار الألبسة والأحذية والأقمشة، كان الأردن يستورد سنويًا قبل جائحة «كوفيد-19»، أحذية من الخارج بحوالي 44 مليون دينار (62 مليون دولار).

وبحسب الذيابات، «كان هناك حوالي 250 مصنعًا ومشغلاً يعمل فيها نحو خمسة آلاف عامل لم يتبق منهم اليوم سوى حوالي 100 مصنع ومشغل وأقل من 500 عامل»، مشيرًا إلى أن «أغلبهم تركوا المهنة واتجهوا للعمل في مهن أخرى».

المزيد من بوابة الوسط