قرية مصرية تعطر العالم برائحة الياسمين

عاملة مصرية مع قناع على وجهها للوقاية من فيروس كورونا المستجد تجمع الياسمين في قرية شبرا بلولة في دلتا النيل في مصر في 23 يوليو 2020 (أ ف ب)

تتشارك مصر والهند في اعتلاء قمة مصدري الياسمين دوليا، إذ أنهما المنتجان الرئيسيان لنحو 95% من عجينة الياسمين العطرية في العالم، حسب إحصاءات الاتحاد الدولي لتجارة الزيوت والعطور (IFEAT) العام 2015.

وما إن ينتصف الليل حتى تضع إيمان مهنا، الفلاحة المصرية الشابة، مصباحًا على رأسها وتبدأ في جمع زهور الياسمين التي تفوح رائحتها على بعد كيلومترات من قريتها شبرا بلولة في محافظة الغربية، حيث ينتج أكثر من نصف العجينة الخاصة باستخراج عطر الياسمين في العالم، حسب «فرانس برس».

وتقول مهنا وهي تمسك بقفص تملؤه زهور الياسمين، في أحد حقول القرية الواقعة في دلتا النيل: «نحن نجمع الياسمين منذ الطفولة، ويبدأ الجني من منتصف الليل وحتى الثامنة أو التاسعة من صباح اليوم التالي... حسب الرزق». ويمتد موسم الياسمين من يونيو حتى نوفمبر.

وتوضح مهنا بعد أن استبدلت المصباح بقبعة لحمايتها من أشعة شمس الصباح: «جمع الياسمين مهمة تحتاج إلى تركيز شديد. نجمع الزهور متفتحة النوارة. أما المغلقة أو البلح، فتترك لليوم التالي».

في مصر، تقع أكثر من 90% من مزارع الياسمين في محافظة الغربية، في مدينتي قطور وبسيون وقرية شبرا بلولة، حيث يتركز معظمها.

على طريق ترابي ضيق تحيط به حقول الياسمين الخضراء المطعمة بالزهور البيضاء، يتجمع مزارعو وجامعو الياسمين في شبرا بلولة في ساعة مبكرة من الصباح مع عربات النقل المحملة بأقفاص زهور الياسمين أمام أبواب مصنع «فخري للزيوت العطرية» الذي يستقبل معظم إنتاج المحافظة.

داخل المصنع، يراقب المدير والمهندس بدر عاطف عملية تسليم زهور الياسمين ووزنها، ويقول لـ«فرانس برس»: «حاليًا، هناك نحو ألف فدان من الياسمين في المنطقة».

ويوضح أن إنتاج مصر من عجينة الياسمين في موسم زراعة الزهور العطرية يبلغ نحو خمسة أطنان، ونصيب مصنع فخري منها نحو ثلاثة أطنان. «نأخذ بين 60 و70% من زهور الياسمين على مستوى المحافظة».

من فرنسا إلى مصر
ويروي عاطف أن فخري هو «أول مصنع للزيوت العطرية أُنشئ في مصر». وكان صاحبه أحمد فخري أول مَن «أدخل شجرة الياسمين إلى مصر» في الستينات، وجلبها من مدينة غراس في فرنسا، حيث كان يدرس.

ويقول عاطف إن أحمد فخري «علم المصريين زراعة الياسمين، حتى أصبح الإنتاج اليومي من زهور الياسمين حاليًا نحو 20 طنًّا». ويعمل المصنع على استخلاص العجينة العطرية من الزهور، إضافة إلى زيت الياسمين الخام.

وتعد الهند أبرز منافس لمصر في إنتاج الياسمين، وفقًا لعاطف، بسبب أسعارها المتدنية، «ما يجعل مصر مضطرة إلى خفض سعر منتجها للمنافسة بالرغم من جودته الأفضل».

لم يبقَ شيء للفلاح
والياسمين من الزراعات المستهلكة للمياه التي يستقدمها المزارعون من نهر النيل القريب. ويقول معتز عبد الفتاح، المهندس الزراعي المشرف على الحقول المملوكة لمصنع فخري، «يُروى الفدان ثلاث مرات في الشهر».

ويضيف عبد الفتاح (62 عامًا): «يستهلك الفدان بين 450 و500 متر مكعب من المياه في المرة الواحدة». ولا يُجمع الياسمين سوى بالطريقة اليدوية، ما يتطلب مجهودًا كبيرًا من العمالة التي تقوم بعملية القطف.

ويقول عبد الفتاح الذي يعمل في مجال زراعة الياسمين منذ 34 عامًا، إن متوسط إنتاج الفرد في اليوم من الجمع يبلغ بين 2 إلى 5 كيلوغرامات من زهور الياسمين.

ويصدر قرابة 100% من إنتاج مصر من الياسمين، إلا أن انتشار جائحة «كوفيد-19» في العالم هذا العام أثر سلبًا على تصدير العجينة العطرية الذي تراجع الى النصف تقريبًا، وبالتالي، انخفضت عمليات الشراء من المزارعين.

ويعمل معظم أهالي شبرا بلولة في زراعة وجمع النباتات العطرية وعلى رأسها الياسمين، فضلاً عن اللارنغ والريحان والفل.

وتعيش من مزارع الياسمين في الغربية نحو 50 ألف أسرة، وفق عاطف الذي يوضح أن أسعار البيع إلى المصنع تحدد «بحسب السوق الخارجية بعد توزيع المصدرين للعينات». ويبلغ سعر كيلو زهور الياسمين حاليًا 40 جنيهًا (2.5 دولار).

وتبلغ تكلفة زراعة هكتار (نحو 2.5 فدان) الياسمين في السنة نحو 6500 دولار، بما في ذلك مصاريف الحصاد، وفق تقرير IFEAT، ما يجعل المزارعين أقل المستفيدين من منتج تباع العطور المصنعة منه بأسعار مرتفعة جدًّا في كل أنحاء العالم.

وتقول وفاء التي تقطن شبرا بلولة: «لم أجمع الياسمين هذا العام.. عمري ستون عامًا، هل من العدل أن أقف أجمع ساعات تحت الشمس من أجل 20 أو 30 جنيهًا؟».

وتضيف: «قف دقيقتين تحت الشمس فتعرف كم يساوي الجمع.. كل شيء مرتفع الثمن اليوم، ولا يبقى شيء للفلاح».

رغم ذلك، يجد الفلاحون في جمع الياسمين، خصوصًا قبل شروق الشمس، متعة كبيرة. وتقول مهنا: «حلاوة الجني أننا نكون موجودين كلنا هنا ونأخذ في الحكي والسمر».

المزيد من بوابة الوسط