تونسي يعيد كشف أسرار لون الأرجوان ويستخرجه بشغف

التونسي محمد غسان نويرة في مشغله بتونس، 11 يوليو 2020 (أ ف ب)

دفع الشغف بالحضارات المتوسطية القديمة التونسي محمد غسان نويرة إلى تمضية ساعات طويلة في مطبخه حيث يحاول منذ سنوات اكتشاف أسرار استخراج اللون الأرجواني من صدفات وقواقع بحرية، وفق تقنيات تعود لآلاف السنين.

ويستعمل هذا الأربعيني في عمله مطحنة يدوية من الحجر ومطرقة صغيرة الحجم وملقطا. هكذا تنطلق أولى المراحل للحصول على اللون الأرجواني، هذا اللون الفريد الذي ابتكره الفينيقيون وحملوه معهم في أسفارهم، وأتقنه القرطاجيون والرومان، وفق "فرانس برس".

ويتحفّظ غسّان على كشف ما تبقى من مراحل الإعداد التي أبقاها القدماء سرية، ما أدى إلى اختفاء الصناعة منذ حوالى 600 سنة.

وتمكنّ نويرة إثر 13 عاما من المحاولات المتكررة من إتقان جزء من مراحل الصناعة.

وتعود بداية شغفه إلى أغسطس من العام 2007، حين عثر على أحد الشواطئ على صدفة نافقة يخرج منها لون أحمر أرجواني ذكّره بدرس تعلّمه في المدرسة في خصوص استخراج هذا اللون.

دفعه الفضول إلى شراء كمية من القواقع من عند الصيادين، وبدأ العمل على اكتشاف هذا "الكنز البحري" داخل مطبخ صغير في بيت والده يستعمله إلى اليوم كورشة يقوم فيها بكل عملياته.

ويقول غسان وهو مدير في شركة استشارات "في البداية، لم أكن أدرك من أين أنطلق. كنت أهرس كل الأصداف بالكامل في محاولة لفهم كيف لهذا الحيوان الصغير البحري أن ينتج لونا نفيسا".

لم يكن تعلّم التقنية سهلا، بل كلّفه ذلك سنوات من فشل التجارب وأحيانا الإحساس بالإحباط وتحمّل رائحة الصدف الكريهة.

ويقول نويرة "شجّعني وساعدني العديد من المختصين في الدباغة وفي علم الآثار، ولكن لم يكن أحد منهم يعرف الطريقة".

رمز النفوذ والأناقة
ويقول الأستاذ من المعهد الوطني للتراث علي درين إن استخلاص اللون الأرجواني الذي كان يستعمل لدباغة لباس الحكام، كان مصدرا لثراء الفينيقيين ثم القرطاجيين والرومان.

ويضيف أن هذا اللون صُنّف رمزا للنفوذ والأناقة والجمال، وكان "تحت سيطرة الأباطرة والقياصرة، لأنه يدرّ مالا كثيرا لخزانة الإمبراطور".

ولم يعثر إلى اليوم عن وثائق تاريخية تبيّن بصفة واضحة طرق تحضير اللون، حسب درين الذي يتابع "ربما لأن الحرفيين لم يكونوا يريدون الإفصاح عن أسرار مهارتهم أو لأنهم كانوا يخافون لأن إنتاج الأرجوان مرتبط بأنشطة تابعة مباشرة للإمبراطور الذي يرفض أي منافسة".

وبقيت آثار لصدفات وبقايا نار في مواقع أثرية في البحر الأبيض المتوسط وخصوصا في مدينة صور في جنوب لبنان وفي سواحل جزيرة جربة (شرق)، يمكن أن تستنتج من خلالها بعض التقنيات التي كانت تستعمل لتحضير اللون.

ووضع الفينيقيون الذين جاؤوا من مدينة صور، الأسس الأولى لما سيعرف لاحقا بالإمبراطورية القرطاجنية.

ويشعر نويرة "بالفخر والرضى"، لأنه أعاد "إنعاش شيء مرتبط بأجدادنا القرطاجنيين".

ويُستخرج بعد عملية هرس الصدفة وإخراج جزئها الرخو، مسحوق باهظ الثمن يبلغ سعر الغرام الواحد منه حوالى 2800 دولار ويمكن أن يصل سعره إلى أكثر من أربعة آلاف دولار عند بعض التجار الأوروبيين، حسب نويرة الذي يبيعه بسعر أقل من ذلك.