جدل في السعودية بسبب قانون المحافظة على «الذوق العام»

حدّت السعودية في السنوات الأخيرة من سلطة الشرطة الدينية (أ ف ب)

حدّت السعودية في السنوات الأخيرة من سلطة الشرطة الدينية، بالتزامن مع تغييرات وانفتاح اجتماعي، إلا أنّ قانونًا جديدًا «للذوق العام» بدأ يثير جدلًا في المملكة حتى قبل تطبيقه، وسط خشية من أن يُحيي هذا الرقابة.

وسعى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى قلب صورة المملكة المحافظة رأسًا على عقب، مع السماح بإعادة فتح دور السينما، وإقامة الحفلات الموسيقية المختلطة والمسابقات الرياضية الضخمة، متعهّدًا بإعادة بلاده إلى الإسلام المعتدل، وفق «فرانس برس».

ورحّب العديد من المواطنين بمظاهر الانفتاح، خصوصًا أن نحو ثلثي السعوديين هم دون الثلاثين من العمر، في وقت يمر الاقتصاد السعودي، الأكبر في المنطقة، بمرحلة من الإصلاحات بهدف تنويعه، بعيدًا عن النفط.

لكن السعودية تبدو وكأنّها تسعى لفرض نوع من الرقابة على تصرّفات مواطنيها مع قانون للذوق العام وافقت عليه الحكومة في أبريل، من دون أنّ يحدّد بعد موعد لدخول القانون حيّز التنفيذ.

وبحسب مجلس الشورى، الذي كان أقر مشروع القانون في مارس، فإن «لائحة المحافظة على الذوق العام» التي يتضمنها القانون تهدف إلى «التأكيد على المحافظة على مجموعة السلوكيات والآداب التي تعبّر عن قيم المجتمع ومبادئه وهويته».

وذكرت وسائل إعلام محلية أنّ القانون ينص على منع «اللبس غير المحتشم» بما يشمل السراويل القصيرة، و«تشويه المرافق العامة بالكتابة»، أي الغرافيتي، مشيرة إلى أنّ المخالفين يواجهون احتمال التعرض لغرامة مالية تصل إلى 5 آلاف ريال (1333 دولارًا).

وكتب الأكاديمي سلطان العامر على تويتر «الهيئة تعود من جديد دون لحية».

أفراد الشرطة الدينية، المعروفة باسم «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، كانوا يجولون في مراكز التسوق والشوارع، ويفرضون على المواطنين لباسًا ومظهرًا محتشمًا وفصلاً بين الجنسين، لكن سلطتهم تراجعت في السنوات الأخيرة.

التغيير فن 
وأثار القانون الجديد الذي يراه البعض غامضًا، حتى قبل البدء بتطبيقه، قلقًا في أوساط سعوديين اعتبروا أنّه يفتح الباب أمام التأويل ما قد يؤدي إلى فرض غرامات عشوائية.

كذلك، أثار تعليقات عفوية من قبل سعوديين آخرين على وسائل التواصل الاجتماعي. 

وحظي وسم «#الشورت_لا_يخدش_الذوق_العام» باهتمام مستخدمين في «تويتر»، وغرّد بعض هؤلاء مرفقين العبارة بصور ساخرة يظهر بعضها رجالاً يمارسون رياضة الجري على أجهزة بلباسهم التقليدي الأبيض.

وقالت كريستين ديوان من معهد دول الخليج العربية في واشنطن لوكالة «فرانس برس»، «السعودية تلاقي سنغافورة»، موضحة «القيادة السعودية تريد تقويض القواعد الإسلامية للنظم الاجتماعية بينما تبقي في الوقت ذاته على سيطرتها السياسية المطلقة وتحافظ على النظام العام».

وأشارت وسائل إعلام محليّة إلى أنّ القانون دخل حيز التنفيذ في 25 مايو، إلاّ أنّ وزارة الداخلية نفت بدء تطبيقه، مشيرة إلى أنّ «الإجراءات المتعلقة بتنفيذ لائحة المحافظة على الذوق العام ما زالت تحت الدراسة مع الجهات المعنية، وسوف يتم الإعلان عن موعد التطبيق في وقت لاحق بعد الانتهاء من تحديد إجراءات تنفيذ قرار المجلس الموقر».

ويرى علي الشهابي مؤسّس «معهد الجزيرة العربية» في واشنطن القريب من الرياض أنّ هذا القانون عبارة عن «جهد لتحقيق توازن مع ضغوط العناصر المحافظة في المجتمع الذين يتّهمون الحكومة بأنّها تسمح بخروج الأمور عن السيطرة».

وتابع «إحداث تغيير هو شكل من أشكال الفنون، حيث إنك تسعى للضغط بأسرع ما يمكن، إنّما من دون التسبّب بإثارة ردة فعل عكسية. هذا ليس بالأمر السهل».

خدمة للحكم
وقام ولي العهد الأمير محمد، الذي يسيطر على مقاليد السلطة بطريقة غير مسبوقة في المملكة، بالحد من الدور السياسي للمؤسسة الدينية المتشدّدة بينما كان يروّج للمواطَنة، في عملية تغيير تاريخية في نظام الحكم في السعودية.

ويقدّم الأمير محمد نفسه على أنّه إصلاحي، بينما تشهد السعودية في عهده عمليّات توقيف في حق رجال دين وصحفيين وأمراء وكتّاب ونشطاء في مجال حقوق الإنسان وناشطات في حقوق المرأة.

وأعلن رجال دين أخيرًا مباركتهم لحملة الانفتاح. و«اعتذر» السلفي عائض القرني في مقابلة تلفزيونية عن خطوات وفتاوى متشدّدة سابقة، بينما انتقد الإمام السابق للحرم المكي الشيخ عادل الكلباني وضع فواصل بين النساء والرجال في المساجد.

في المقابل، ما زالت تتردّد أصوات مطالبة الدولة بمواصلة الرقابة الاجتماعية، وبينهم من دعا إلى إعادة الشرطة الدينية للطرقات بعدما انتشر مقطع فيديو لرجل وامرأة منقّبة يرقصان في الشارع العام الماضي. 

ويرى مراقبون أنّ هذه الأصوات ستزداد مع استمرار محاولة السلطات لاستحداث قطاع ترفيهي وفني مماثل لما هو عليه في دبي.

ورأت ديوان أنّ السعوديين «يوفرون حيّزًا أوسع للتعبير الشخصي، لكن فقط لخدمة الحكم»، مضيفة «يجب السماح برسوم الغرافيتي».