الأمسيات الرمضانية توطّد أواصر المجتمع العراقي

الحكواتي عبد الواحد إسماعيل خلال أمسية رمضانية في مقهى بالموصل، 17 مايو 2019 (أ ف ب)

«كان يا ما كان في قديم الزمان».. هكذا يبدأ الحكواتي عبدالواحد إسماعيل قصته في كل ليلة رمضانية في أحد مقاهي الموصل، حيث يشهد هذا التقليد الذي راج في الستينات زخمًا متجددًا إلى جانب أنشطة ترفيهية أخرى تحيي ليالي رمضان، موطّدة التلاحم الاجتماعي في العراق. 

بعد المعارك الدامية التي شهدها العراق على مدى نحو أربع سنوات كان تنظيم الدولة الإسلامية يسيطر فيها على ما يقارب ثلث مساحة البلاد، عاد شهر رمضان ليصبح مساحة لقاءات تعيد البهجة لسكان البلاد، وفق «فرانس برس».

وبين أزقة الموصل القديمة التي لم تنفض عنها غبار الحرب بعد، يجوب إسماعيل (70 عامًا)، وهو فنان مسرحي معروف بين أبناء المدينة، مناطق عدة ليقص بأسلوبه الخاص حكايات تاريخية وشعبية في الشهر الفضيل، تلقى آذانًا تتوق للعودة إلى أيام الزمن الجميل.

ويقول الحكواتي أو الـ«قصخون» كما يسميه أهل الموصل مرتديًا دشداشة طويلة مع كوفية صفراء على الكتفين وطربوش أحمر على الرأس «عشت عصورًا عدة، فأحاول نقل صورة جميلة خاصة للشباب».

يجلس إسماعيل على أريكة عالية في ساحة خصصت لهذا الغرض، وفي يده الميكروفون، ويبدأ بقص رواياته بأسلوب تمثيلي جميل، ولكن بأنفاس متقطعة لكبر سنه.

ربط الماضي بالحاضر 
ولطالما اشتهرت شخصية الحكواتي في القدم، بنقل الأخبار والسير التاريخية التي شكلت وعيًا وثقافة لدى المجتمعات في تلك المرحلة الزمنية. لكن إسماعيل يسعى اليوم إلى ربط الماضي بالحاضر. فيقص مثلاً سيرة عنترة وعبلة الشهيرة في الموروث العربي، ويحاول ربطها مع ما يلهي الشباب اليوم من ألعاب إلكترونية، كـ«بابجي».

حوله، يتحلق رجال وشبان وأطفال، يرتدي بعضهم أزياء شعبية تراثية، يخترق تسمرهم في بعض الأحيان أصوات باعة القهوة والعصير المتجولين، أو فواصل استراحة بأغان شعبية قديمة لزيادة التشويق.

بدأ العصر الذهبي للحكواتي قبل قرون عدة أيام الحكم العثماني، لكنه راح يندثر في الستينات مع ظهور وسائل أخرى للمتعة من الراديو إلى التلفزيون.

ويقول أحد الحاضرين قيس قاسم (71 عامًا) «عشت الليلة لحظات من التاريخ الجميل».

ويضيف قاسم الذي يضع عكازيه إلى جانبه «عندما كنا أطفالاً، كنا نجلس في الزقاق على ضوء الفانوس، ونستمع إلى حكايات عجوز موصلية تتقن سرد القصص».

أما اليوم، فقد تغيرت الأزمان، بحسب وصفه، و«باتت التقنيات الحديثة حاجزًا بين الماضي والحاضر».

لعبة القوميات
هذه التقاليد الرمضانية حاضرة بقوة أيضًا في مدينة كركوك المتعددة الإتنيات في شمال العراق.

فبعد يوم صيام طويل، تتوجه غالبية السكان إلى مقاهي المدينة لممارسة لعبة «الظرف والصينية» الرمضانية الحماسية الشهيرة في المنطقة.

تستمر هذه اللعبة طوال الليل خلال شهر رمضان وحتى وقت السحور، وتتخللها حلقات دبكة وأغانٍ فلكلورية باللغات العربية والكردية والتركمانية، وهي اللغات الرئيسية التي يتحدث بها أهالي كركوك.

يعود تاريخ اللعبة إلى عشرات السنين، ويمارسها رجال وفتيان من جميع قوميات كركوك في أكثر من 150 مقهى شعبيًا تتوزع في أحياء المحافظة وخصوصًا في مركز مدينة كركوك (240 كيلومترًا شمال بغداد).

ورغم ارتفاع درجات الحرارة، يحتشد المئات من اللاعبين والمشاهدين يوميًا في هذه المقاهي وغالبيتها في مناطق القلعة والقيصرية ورحيماوه والشورجة، ولكل منها قومية مختلفة.