تقليد عشائري يدفع نساء جنوب العراق إلى الانتحار

عراقيون يمرون أمام متجر لبيع فساتين أعراس بمدينة الديوانية، 31 مارس 2019 (أ ف ب)

سكبت البنزين على جسدها، أشعلت عود ثقاب، وأحرقت نفسها، ثم راحت تركض في باحة البيت وتصرخ.. مريم واحدة من عراقيات أقدمن على الانتحار بسبب تقليد عشائري في جنوب البلاد يعرف بـ«النهوة»، يرغمهن على الزواج بأبناء العم.

بعد ثلاثة أيام رقدت خلالها في المستشفى، توفيت هذه الشابة البالغة 22 عامًا في محافظة ميسان (جنوب العراق)، صيف العام 2018، بحسب ما يقول الشيخ حيدر سعدون، أحد زعماء عشائر مدينة العمارة، كبرى مدن المحافظة.

يذكر سعدون لوكالة «فرانس برس»، وهو أيضًا أحد وجهاء قبيلة بني لام، الذي كان شاهدًا على تلك الحادثة، أن «الفتاة طالبة جامعية تقدم للزواج بها شاب من قبيلة أخرى لكن أبناء عمها رفضوا أن يتزوجها بحسب العرف العشائري المعروف بالنهوة».

والنهوة عرف عشائري، يسمح لرجال عشيرة ما برفض زواج أي فتاة تنتمي إليها، وبالتالي ينهونها عن الأمر ويرغمونها على الزواج من أحد أفراد عائلتها.

حاول الشيخ سعدون إقناع ابن عم مريم بالعدول عن الفكرة، لكن الأخير تمسك بالأمر قائلاً «سأكسر أنفها» في إشارة لإرغامها على الزواج منه رغم كونها طالبة جامعة وهو أمّي.

وتعرف محافظة ميسان الجنوبية بتمسكها بتلك العادات، وتشهد بين الفينة والأخرى صدامات بين بعض العشائر.

وليس تقليد «النهوة» فقط ما يجعل من حياة النساء جحيمًا، بل هناك ما يحول المرأة إلى سلعة مقايضة تبت بموجبها نزاعات وعمليات ثأر.

فمنذ عقدين من الزمن، تعيش سحر في جحيم بسبب ما يسمى بـ«الفصلية» في مدينة الديوانية (جنوب العراق) بعدما وهبتها عشيرتها إلى أخرى قتل أحد أبنائها.

تقول الناشطة في مجال حقوق المرأة وابنة عم سحر، كريمة الطائي (50 عامًا)، لوكالة «فرانس برس»، «نشب قبل نحو عشرين عامًا صراع بين عشيرتي وعشيرة أخرى، وتطور حتى قتل شاب من تلك العشيرة».

وتضيف «بعد تدخل الوسطاء بين الطرفين، قام شيخ عشيرتنا بفصلها (وهبها) مع خمس فتيات عذارى وتزويجهن بالإكراه من أبناء عشيرة المقتول».

ورغم مرور سنوات، تلاحق وصمة العار الأطفال الأربعة الذين أنجبتهم سحر، ويعاملهم أهل زوجها بأسلوب قاس وينادونهم بـ«أولاد الفصلية»، وفقًا للطائي.

أولاد الفصلية
ففي العراق، البلد المحافظ الذي يلعب فيه الأصل واللقب دورًا مهمًا في جميع مجالات الحياة، بينها الزواج والحصول على وظيفة والسياسة حتى، عادة ما تتم تسوية النزاعات القبلية دون الرجوع إلى القانون.

وحتى سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، كان القانون نافذًا ويده أعلى من أعراف العشائر. لكن بعد ذلك التاريخ، تغيرت الحال، فلم يعد القانون مطبقًا في كثير من المجالات، لأسباب عدة بينها الخوف من التعرض للانتقام. وقد يلعب المجلس المحلي والوجهاء دورًا حاسمًا في تسوية النزاعات واتخاذ قرار بشأن الدية.

وبحسب مصادر رسمية، أقدمت 14 امرأة على الانتحار في محافظة ميسان خلال العامين الأخيرين، وحاولت 184 امرأة قتل أنفسهن. لكن أحدًا لا يعطي سببًا لهذه الحالات.

غير أن دراسة أجريت في البصرة (جنوب) في العام 2017 وشملت 62 امرأة حاولن الانتحار بإضرام النار في أجسامهن، تعطي بعض المؤشرات. ففي 80% من الحالات قالت هؤلاء النساء إنهن فعلن ذلك بسبب خلافات عائلية تتعلق خصوصًا بزواجهن.