آخر حصون الحرير على أسطح دمشق

صورة ملتقطة في 23 يناير 2018 لمحمد الريحاوي في مشغل الحرير في دمشق (أ ف ب)

حين تعمل آلة الحرب فإنها تحصد الأرواح وكذا المهن والحرف التقليدية، فيصبح الإنسان وتراث محل تهديد، ومن سورية حكايتنا.

وعلى سطح منزل في دمشق القديمة، ينهمك محمد الريحاوي في تجهيز خيوط الحرير البيضاء اللون قبل صبغها، وهي مهنة في طريقها للاندثار، حسب «فرانس برس».

قبل اندلاع الحرب السورية في العام 2011، كان الريحاوي يمتلك ورشة موزعة على عدة أبنية صغيرة تضم مستودعات ألوان في بلدة عين ترما في الغوطة الشرقية قرب دمشق، لكن المعارك أجبرته على ترك كل شيء وراءه والانتقال إلى العاصمة.

وأبدل الريحاوي ورشته التي كان يفتخر بها بمساحة صغيرة على سطح أحد منازل دمشق القديمة.

ويقول الرجل الملقب بأبو العز (53 عامًا): «لم يعد أحد يعمل في صباغة الحرير إلا اثنان أو ثلاثة في كل سورية»، معربًا عن قلقه من أن يؤثر تراجع المهنة على صناعة قماش البروكار الدمشقي الشهير، الذي ينسج يدويًا من الحرير الطبيعي وخيوط الذهب.

ويُعد البروكار من الأقمشة الذائعة الصيت في العالم، خصوصًا بعدما أهدى الرئيس السوري السابق، شكري القوتلي، قطعة منه العام 1947 لملكة بريطانيا إليزابيث الثانية يُقال إنها استخدمتها في صناعة ثوب زفافها.

ويضيف أبو العز: «هذه المهنة تقاوم الموت، وخيوطها بمثابة الهواء للبروكار، فإذا قطعنا عنه الهواء سيموت البروكار أيضًا»، موضحًا: «لم تعد مقوّمات حياتها موجودة، بعدما انشغل عنها أبناء البلد لتأمين مقوّمات الحياة الصعبة في الحرب، ولم يعد يطلبها زبائنها الأصليون من السيّاح والزوّار الأجانب».

وبرغم ذلك، حاول الريحاوي تجهيز السطح بكل ما يحتاج، من مظلة تقيه حرارة الشمس في الصيف وموقد للتدفئة في الشتاء.

يغلي الريحاوي المياه ليضع فيها خيوط الحرير البيضاء اللون لإزالة الصمغ عنها، ثم ينهمك ابنه نور في وضع الخيوط على قضبان خشبية في المياه وتحريكها قبل نقلها لتجفيفها ثم بدء صبغها باللون المطلوب.

يوجه الريحاوي تعليمات صارمة لابنه، الذي لم يتجاوز الخمسة عشر عامًا، لكنه يواظب على العمل مع والده في هذه الورشة الصغيرة.

ويقول الريحاوي: «لم يعد أحد يقبل تعلّم هذه المهنة، لأنّها لا تكسب ربحًا ماديًا كبيرًا، وأنا أعمل بها لأحافظ عليها، وأعلّمها لابني، لكي لا تموت بموتي».

يتردد الريحاوي أمام قوارير من الألوان المختلفة بينها الأصفر والأحمر والأخضر. يخلط بينها يضع البرتقالي مع الأزرق مع القليل من المياه، ثم يضيفها إلى الخيوط الحرير، لتخرج لاحقًا ملونة بالأخضر الزمردي.

ويقول: «أحزن كثيرًا على هرم هذه المهنة وأشعر وكأنها رجل عجوز ينتظر موته، فيما نحاول نحن جاهدين إنعاشه»، وفق «فرانس برس».

قبل الحرب السورية، انتشر زملاء الريحاوي في المهنة ليس فقط في دمشق ولكن أيضًا في المنطقة الساحلية وفي مدينة حلب، المعروفة بتجارة القماش والحرير. وبات الاعتماد أكبر اليوم على استيراد خيوط الحرير من الصين والهند.

ويضيف الريحاوي: «أخشى على هذه المهنة كما أخشى على ابني هذا، لكن لا يرغب أبناء الجيل الحالي بالعمل اليدوي الذي يحتاج للصبر والدقة».

يعمل أنطوان مزنّر في صناعة البروكار في حي التكية السليمانية وسط العاصمة. وتحمل عائلته اسم «المزنّر»، وفق قوله، نسبة إلى الزنّار الذي كانوا يصنعونه من الحرير الخالص.

ويقول الشاب الثلاثيني: «نحاول أن نبقي مهنة البروكار صافية ونقية من خلال الاعتماد على الحرير الطبيعي المصبوغ بشكل يدوي»، مضيفًا: «كنا نحضره قبل الحرب من مزارع دودة القز، أما اليوم فنضطر لاستيراد خيوط الحرير من الصين ونصبغها هنا في دمشق».

يجّد الريحاوي في العمل. ويحرص على ألا يمر أسبوع دون صعوده مرة أو مرتين إلى سطح البيت الدمشقي.

ويقول: «قبل الحرب، كنت أعمل طيلة أيام الأسبوع من دون ملل أو كلل، أما الآن، أحيانًا نعمل يومًا واحدًا أو يومين فقط بسبب قلة الطلب والعمل». ولذلك كان لا بد له من البحث عن مصدر دخل آخر، وهو يعمل حاليًا في مصبغة ألبسة في دمشق.

ينشرُ الريحاوي الحرير المصبوغ على أسلاك طويلة ليجف قبل إرساله جاهزًا ليستخدم في النسيج.

ينظر إلى يديه الملونتين بالصبغات والممتلئتين بالجروح، ويقول وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة «أصابعي ستبقى جميلة طالما أن الحرير يلفها».

المزيد من بوابة الوسط