«القضاء المستعجل» يعيد الخلاف بين هيئة الدستور إلى «المربع الأول»

أعادت محكمة القضاء المستعجل في مدينة البيضاء الخلافات حول مشروع الدستور إلى المربع الأول، إذ قضت المحكمة بوقف قرار الهيئة التأسيسية بتعديل اللائحة الداخلية، واعتبرته مخالفًا لنص المادة 30 من الإعلان الدستوري.

وألقى هذا الحكم بظلاله على المسودة المسلمة لمجلس النواب، التي صوت عليها أعضاء من الهيئة في 19 من أبريل الماضي الدستور بغالبية 34 صوتًا من أصل 36، بعد إضافة التوافقات التي توصل إليها أعضاء الهيئة بسلطنة عمان، لكن الإعلان الدستوري يشترط وجود 41 عضوًا للتصويت، بينما كان العدد 36 عضوًا فقط.بشأن حكم محكمة البيضاء ببطلان تعديل اللائحة الداخلية للهيئة التأسيسية وما ترتب عليها من آثار، استعرضت جريدة «الوسط» في عددها الخامس والعشرون بعض آراء المختصين، إذ علق الناطق الرسمي باسم الهيئة، الصديق الدرسي، قائلا: «إن الحل الوحيد لمواجهة هذا الحكم هو عقد جلسة صحيحة نصابها 41 عضوًا حسب الإعلان الدستوري الثلثين +1، خاصة بعد حكم المحكمة ببطلان التعديل على اللائحة، وهذا يعني أن التعديل باطل وما بني عليه باطل، ولذلك يجب عقد جلسة صحيحة ومناقشة المقترح حسب الاتفاق إما جملة واحدة أو بالفقرة أو انتظار قرار المحكمة النهائي وما يحكم به القضاء هو الكلمة الفاصلة».

لكن رئيس لجنة العمل محمد الجيلاني البدوي أوضح أن «قرارا صدر بتشكيل لجنة لتغيير اللائحة، لأن اللائحة جرى صياغتها في بداية عمل الهيئة حسب العدد المنتخب»، ولذا يرى أن «قرار تعديلها كان ضروريًا بعد تغير عدد الأعضاء بسبب انقطاع البعض، وحكم المحكمة الصادر ضد الرئيس، وبالفعل تمكنا من التعديل حسب العدد الفعلي الآن وهم تقريبا 37 عضوًا».

الصديق الدرسي: الحل الوحيد لمواجهة هذا الحكم هو عقد جلسة صحيحة نصابها 41 عضوًا

ومع هذا الحكم يعود الجدل مجددا إلى غرف التداول السياسي والدستوري، فاتحا أبوابا جديدة للسجال الحاد حول المواد الخلافية في مسودة مشروع الدستور، التي كان أبرزها المادة الثامنة في «باب التشريع» الخاصة بالشريعة الإسلامية، و«شكل الدولة ومقوماتها الأساسية» في الباب الأول من المسودة.

في رأي البدوي مشروع الدستور الحالي هو «أفضل صيغة للدستور»، وقال لـ«الوسط» إن: «الأمر في منتهى الصعوبة، الجميع بذلوا مجهودا كبيرا للتوصل إليه بسبب المتناقضات المتواجدة على الساحة الليبية»، وتساءل: «كيف تصدر المحكمة مثل هذا الحكم؟»، وأضاف: «كان يجب مراعاة الظروف التي تمر بها الدولة».

وأشار إلى قيام الهيئة «بواجبها وأرسلت المسودة إلى مجلس النواب والمفوضية العليا للانتخابات وحكومة الوفاق الوطني»، أما بعد صدور حكم المحكمة بالشق المستعجل، فإن الهيئة تنتظر الحكم النهائي، وإذا صدر حكم لصالح الهيئة سنستكمل باقي العمل وعرض المسودة للاستفتاء، وفي حال جاء الرفض سنطعن وننتظر الحكم».

وحول منتقدي مسودة مشروع الدستور خصوصا «باب التشريع»، قال الجيلاني البدوي: «نحن كمسلمين ملزمون بالكتاب والسنة، وناقشنا باب التشريع أربع مرات وعدلناه للوصول إلى تلك الصيغة، والتوافق عليها»، وأضاف: «هناك طرق لاستنباط الأحكام التشريعية، وهذا يعني أن الأمر محدد، وعلى المشرع القيام بذلك وفق الدين الإسلامي».

وقلل رئيس لجنة العمل من شأن المخاوف في هذا السياق، وقال: «لا أرى أي ثغرة بالمادة للتخوف منها، فهناك من يدعي أن بعض نصوص الدستور ستؤدي إلى حرب أهلية وهذا غير صحيح»، مشيرًا إلى أن «هناك حكم محكمة بإيقاف تعديل اللائحة وبناء على التعديل تم اعتماد الدستور، والآن نحن في انتظار الحكم النهائي وعليه ستترتب النتائج».

الجيلاني البدوي: «نحن كمسلمين ملزمون بالكتاب والسنة، وناقشنا باب التشريع أربع مرات وعدلناه للوصول إلى تلك الصيغة»

وفي المسار نفسه، رأت مقررة لجنة العمل، نادية عمران، في مشروع الدستور «أفضل صيغة توافقية يمكن الوصول إليها»، و أوضحت: «كل ليبي سيجد فيه جزءا من مطالبه، فهو حاصل جمع مطالب الفيدراليين والمركزيين والإسلاميين والعلمانيين وحتى المهمشين».

وبالنسبة للمادة الثامنة، قالت: إن «المسودة تضمنت المشروع كما هو مع نقاط الخلاف التي جرى التوافق بشأنها، مشيرا إلى وجود اعتراض حول المادة 8 النص التشريعي باعتبارها قد تتيح الفرصة لأي تيار للدخول إلى ليبيا مثل التيار الشيعي والتيارات المتشددة»، غير أن «نص المادة الثامنة موجه للسلطة التشريعية التي يحق لها فقط سن القوانين».وانتقدت عمران الرافضين المشروع، وقالت إنهم «ينطلقون من وجهات نظر ضيقة لا تراعي مصلحة الوطن؛ منهم من يرفض رغبة في إرجاع الملكية، ومنهم رفض لعدم إقرار بنغازي كعاصمة، ووصفت الرافضين بأنهم «مركزيون يرغبون في تركز السلطات في مدينة واحدة، والتحكم في مصير الليبيين بحجة المواطنة وعدم التساوي».

وأكدت عمران أن الهيئة لم تكتب أي مسودة خارج الوطن، ولم تغير المشروع بصلالة كما يدعي البعض، لكنها قالت: «ما حدث في صلالة هو مناقشة مسودة لجنة العمل الثانية المتوافق عليها في البيضاء مع بعض البنود المعترض عليها، مثل بند العاصمة».

نادية عمران: «ما حدث في صلالة هو مناقشة مسودة لجنة العمل الثانية المتوافق عليها في البيضاء مع بعض البنود المعترض عليها

وطالبت نادية عمران مجلس النواب بالقيام بإعداد قانون الاستفتاء على مسودة الدستور، مؤكدة المضي قدما في هذا المشروع، وقال: «نعرف أن خلاص ليبيا من كل هذه النزاعات سيكون بخروج دستور يتوافق عليه جميع الليبيين».

وانتقد عضو الهيئة التأسيسية، ضو المنصوري، تجاهل المادة الأولى للنص على أن ليبيا موحدة، ورأى عدم كفاية النص على أنها «غير قابلة للتجزئة»؛ وقال: «الإقليم هو مصطلح جيوسياسي، والصحيح كان يجب النص على عدم جواز التنازل عن أي جزء من الأراضي الليبية».

وطالب المنصوري بإشراك الخبراء الليبيين وجامعات طرابلس وبنغازي وسبها لمراجعة المسودة وتقريب وجهات النظر بين الأعضاء، وأكد أن نصوص المشروع ملغمة، وضرب مثالا بالمادة الثامنة التي تنص على أن «الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر التشريع وفق المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعًا»، متسائلاً «من سيقرر بأن هذا المذهب معتبر دون غيره من المذاهب؟» وقال: «سيخلق هذا النص فوضى في تفسير نصوص الدستور، في ظل رواج سوق المذاهب وادعاء الجميع أن آراءهم صحيحة، سواء أكانوا سلفيين أو وهابيين أو شيعة».

أما الناطق الرسمي بهيئة صياغة مشروع الدستور، الصديق الدرسي، فقد تحدث لـ«الوسط» عن خلفيات نقل الجلسات إلى سلطنة عمان قائلا: «في جلسة الهيئة السابعة والستين جرى طرح عقد جلسات تشاورية توافقية للهيئة خارج ليبيا، وكان النقاش ينصب فيها صوب سلطنة عمان بمدينة صلالة، وحاول الأعضاء المؤيدون الخروج انتزاع قرار من الهيئة لتغطية أعمالهم بالخارج، غير أن الأمر انتهي بالذهاب بحسب رغبة العضو وعلى مسؤوليته الشخصية».

وأضاف أن كل التوافقات في صلالة لا تكون ملزمة إلا إذا وافق عليها الجميع، ورغم ذلك جرى وضع المسودة والتوافق عليها حزمة واحدة دون مناقشة في الجلسة الثامنة والستين، كما أن ما جرى من تعديل للائحة نص على ضرورة وجود 39 عضوا، بينما من صوت على المسودة هم 36 فقط، وهذا يعني بطلان الجلسة حتى بعد التعديل، وكان من المفترض اتخاذ الإجراءات الصحيحة.

وقال الدرسي كانت هناك اعتراضات على نصوص بذاتها في المسودة منها موضوع الشريعة، الذي تضمنه نص المادة الثامنة من المقترح الثاني للجنة العمل جاء على خلفية تمسك أعضاء اللجنة بوجهة نظرهم دون مراعاة رأي أهل الاختصاص برغم مشاركة بعض بيوت الخبرة، ومنهم على سبيل المثال مركز البحوث والدراسات العلمية جامعة السيد محمد بن علي السنوسي، وكما نعلم أن نص المادة الثامنة جاء كما هو عليه في نسخة لجنة العمل الأولى في مادتها السابعة؛ حيث حذفت من المقترح كلمة «وتقيد»، إلا أن النص لا يزال يحتاج إلى إعادة صياغة وضبط للمصطلحات حتى لا يترك الباب مفتوحا لتيارات وأفكار تنخر في مجتمعنا وفطرته السليمة وتهدم بنيان خصوصيته التي تنمو وتتطور مع الواقع بمرور الزمن.

واعتبر الدرسي أن الهيئة ليس لها القدرة على وضع رؤية في مثل هذه المواضيع، فالضرورة القصوى تقتضي وتلزم الهيئة بالعودة إلى أهل الاختصاص والنزول عند رأيهم بعيدا عن التعنت والتشبث بالآراء والأفكار، فأفضل ما يقدم في المرحلة القادمة هو ضبط الفتوى بحسب ما يتماشى والفطرة السليمة لمجتمعنا.

وأشار إلى أن صيغة لجنة العمل الثانية في المادة الثامنة جاءت بشكل غير منضبط وكأنها طعن في تأسيس عقيدة مجتمعنا منذ الفتوحات الإسلامية وحتى وقتنا الحاضر لتؤسس لمناخ يناسب كل ما هو جديد ولا يعد كل جديد نافعا للوطن، وبحسب ما أوردته لجنة العمل «الإسلام دين الدولة والشريعة الإسلامية مصدر التشريع وفق المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعا من غير إلزام برأي فقهي في المسائل الاجتهادية وتفسر أحكام هذا الدستور وفقًا لذلك».

ضو المنصوري: «الإقليم هو مصطلح جيوسياسي، والصحيح كان يجب النص على عدم جواز التنازل عن أي جزء من الأراضي الليبية»

وتابع الدرسي قائلا: «لو كان العمل يسير وفق حسن النوايا فلنكتفي بعبارة (الإسلام دين الدولة) وهو نص يأخذ في شكله طابع العموم والشمولية، وإن كان سعيا نحو التفصيل فلا مناص من ضبط المفاهيم، فالقول بأن الشريعة مصدر التشريع يحتاج إلى صيغة دقيقة، فوجود التيارات التي تمرح وتسرح في مجتمعنا كل منها له فهم للشريعة يختلف عن الآخر، كما أن الأعراف التي لا تتنافى مع الشارع الكريم لا يمكن إبعادها عن النص قال تعالى: «خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»، وقال صلى الله عليه وسلم «ما رآه الناس حسنا فهو عند الله حسن».

وأضاف الدرسي أن المادة تناولت عبارة «وفق المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعًا»، فالمشكلة التي تواجهنا تتلخص فيمن سيحدد المذاهب والاجتهادات المعتبرة شرعًا.ورأى الدرسي أن الاجتهادات عمل إنساني قابل للصواب والخطأ في حالة ثبوت أدلة تؤكد أحد الأمرين «الصواب أو الخطأ»، فالشافعي في سيرته العلمية اتبع منهجا علميا في البحث عن الحقيقة بشكل مستمر، فقال رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

وتساءل الدرسي قائلاً: «أليس المجلس الأعلى للتشيع ضمن المذاهب والتيارات الفكرية في التاريخ الإسلامي يستشار في كثير من القضايا كالأعمال الدرامية السينمائية؟ فأمام صولات وجولات إيران في المنطقة تصبح أرضنا خصبة لنشر الشيعة الإمامية في ليبيا بموجب نص دستوري يبيح ذلك، ثم جاء النص بفقرة «من غير إلزام برأي فقهي»، وهذا أمر خطير يترتب عليه شيئآن اثنان، الأول نسف هوية البلاد المذهبية، والثاني فتح المجال أمام الفتاوى المستوردة التي لا يمكن تطبيقها على واقعنا، فالفتوى تختلف باختلاف الزمان والمكان وهذا أمر نلمسه في سيرة السلف الصالح فالشافعي الذي عاش في العراق وانتقل إلى مصر اختلفت فتواه في العراق عنها في مصر برغم أنها في نفس المسألة فكان للزمان والمكان أثرهما في الفتاوى والأحكام الشرعية.

وبحسب وجهة نظر الدرسي يجب عرض النص على أهل الاختصاص لوضع رؤية تتناسب مع متطلبات الحاضر والمستقبل يتمتع بالمعايير، نص مرن لا يتعارض والشريعة الإسلامية بصياغة نص يبعدنا عن الانسداد الدستوري، ويحافظ على خصوصيتنا الليبية ويقطع الطريق أمام الداعيين إلى إلغاء هوية البلاد المذهبية.
للاطلاع على العدد الخامس والعشرون من صحيفة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)