سباق «تحرير سرت» يهدد الجهود العسكرية ضد تنظيم «داعش»

تثير حالة التسابق من أجل تحرير مدينة سرت من قبضة تنظيم «داعش» التي يسيطر عليها منذ يونيو 2015، مخاوف بشأن إمكانية نجاح الجهود العسكرية في التصدي للتنظيم، في ظل تزايد الانقسام السياسي والأمني في ليبيا.

وذكرتتقرير لـ«فرانس برس» أن السلطتين الليبيتين في الشرق والغرب تتسابقان على خوض معركة تحرير مدينة سرت «بشكل منفرد»، لا سيما أن ذلك بدا واضحًا من إعلان كل منهما حلول «ساعة الصفر»، في خطوة قد تهدد نتائج أي عمل عسكري ضد تنظيم «داعش».

في هذا الوقت نجح التنظيم الجهادي في التوسع إلى غرب سرت (شمال) التي يسيطر عليها منذ يونيو 2015، ودخل منطقة أبوقرين الواقعة على طريق رئيسي يربط الغرب الليبي بشرقه.

وتخضع القوات العسكرية في الغرب الليبي إلى سلطة حكومة الوفاق الوطني، بينما يقود الفريق أول ركن خليفة حفتر مدعومًا من البرلمان، القوات في الشرق والموالية لحكومة لم يعد يعترف بها المجتمع الدولي.

ويسيطر تنظيم «داعش» على سرت الواقعة على بعد نحو 450 كلم شرق طرابلس، مقر حكومة الوفاق، وعلى بعد حوالي 550 كلم غرب مدينة بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس) حيث مقر القوات الموالية للبرلمان.

معضلة عسكرية
وقال الباحث في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ماتيا توالدو لوكالة «فرانس برس» إن الانقسام في ليبيا «لا يمثل مشكلة سياسة فقط تمنع قيام حكومة موحدة، بل إنه يشكل أيضًا معضلة عسكرية». مشيرًا إلى أنه «إذا انطلقت (الحملتان العسكريتان) من دون تنسيق للجهود، فإن تنظيم «داعش» قد يجد نفسه في موقع أفضل للتصدي» لأي هجوم.

وأشار التقرير إلى أن السلطات المستقرة في الشرق ترفض تسليم السلطة إلى حكومة الوفاق الوطني، مطالبة بوجوب أن تحصل هذه الأخيرة على ثقة البرلمان الذي فشل مرات عدة في التصويت على الثقة.

ودخلت حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج طرابلس في 30 مارس ولم تلق مقاومة تذكر، وحصلت تباعًا على تأييد المجموعات العسكرية التي كانت تسيطر على العاصمة، وتسلمت الوزارات والمؤسسات الرسمية.

وبدا واضحًا أنها تحظى بدعم دولي كبير، إذ شهدت طرابلس زيارات عدد كبير من وزراء الخارجية والمسؤولين الغربيين. حيث يعول المجتمع الدولي على حكومة الوفاق لمكافحة تنظيم «داعش» الذي بدا يتجذر في مناطق ليبية عدة على بعد مئات الكيلومترات من أوروبا، بحسب «فرانس برس».

غرفة عمليات
وشكلت حكومة الوفاق الوطني في طرابلس أخيرًا «غرفة عمليات» عسكرية خاصة ضد تنظيم «داعش»، تقوم مهمتها على تنسيق أنشطة مكافحة التنظيم في منطقة تمتد بين مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) وسرت.

ونقلت «فرنس برس» عن مسؤول في الغرفة قوله «اكتملت الاستعدادات لاستعادة سرت والمناطق الأخرى، وتوقيت الانطلاق في عمليتنا العسكرية بات قريبًا».

وكانت الغرفة أعلنت في أول بياناتها السبت أنها «شرعت في الإعداد للدفاع عن الدين والوطن ضد خوارج العصر والتكفيريين»، داعية «شباب الوطن وشرفاءه كافة من عسكريين ومدنيين، إلى نبذ الفرقة والوقوف صفًا في وجه العدو الغاشم، وانتظار ساعة الصفر لبدء العمليات القتالية».

ساعة الصفر
ونقلت «فرانس برس» عن مسؤول في المكتب الإعلامي للقيادة العامة للجيش في الشرق قوله «تم اتخاذ قرار تحرير سرت، وتم وضع جميع الخطط العسكرية للاقتحام، على أن يشارك في تحرير المدينة جميع صنوف الأركان البرية والبحرية والجوية».

وأضاف المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته «ستنطلق قواتنا من منطقة البمبة (على بعد نحو 120 كلم شرق بنغازي)، التي وصلت إليها قوات من الجنوب أيضًا. لدينا القدرة والتجهيزات لكن لا يمكن الإعلان عن ساعة الصفر ولا عن عدد القوات المسلحة» التي ستشارك في هذه العملية.

ورد تنظيم «داعش» على الإعلان عن قرب مهاجمة سرت بشن هجمات ضد قوات حكومة الوفاق الوطني في غرب المدينة. إذ نجح التنظيم إثر هذه الهجمات التي بدأت قبل أسبوع في السيطرة على منطقة أبوقرين الاستراتيجية، قرب الساحل عند الطريق الرئيسي الذي يربط الشرق الليبي بغربه، ومدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) بمدينة سرت وبالجنوب الليبي أيضًا، ليقيم بذلك خط دفاع جديدًا عن سرت. وهي المرة الأولى التي ينجح فيها التنظيم في التمدد إلى الغرب من سرت، علمًا بأنه يسيطر على مناطق تقع شرق المدينة، بحسب «فرانس برس».

«حكومة؟ إية حكومة؟»
ودفع الهجوم على أبوقرين مئات العائلات إلى مغادرتها خوفًا من بطش التنظيم الذي فرض على سرت قواعد صارمة منذ سيطرته عليها؛ حيث قام بقطع الأيادي وإعدام أشخاص بشكل علني.

في بني وليد (150 كلم جنوب شرق طرابلس) توزعت العائلات النازحة على مدارس المدينة بعدما وصلتها محملة بالفرش والملابس فقط.

وقالت رجا سليمان وهي تتحدث في غرفة في مدرسة وإلى جانبها والدتها وإخوتها الثلاثة «كنت في المدرسة حين دخلوا، ثم خرجت مع زملائي وكنت أتوقع ألا أصل إلى منزلي حية. بدأنا في المنزل نسمع أصوات الاشتباكات وشعرنا بالرعب، قبل أن نسمع أن الناس بدؤوا بالمغادرة. لم نعرف ماذا نفعل فقررنا أن نغادر أيضًا».

وبحسب رئيس لجنة شؤون النازحين في بني وليد عبدالرحمن الهميل، يعيش نحو عشرين ألف نازح من سرت وأبوقرين حاليًّا في مدارس المدينة وفي مقرات عامة أخرى فيها.

ووقف رجل عجوز في باحة مدرسة يرحب بوصول نازحين جدد إليها، وقد نزح هو مع عائلته إلى بني وليد آتيًا من سرت قبل سبعة أشهر. وقال لـ«فرانس برس» إن الجهاديين «مجموعة من الكفار، لكن بعون الله الكريم سنعود، فنحن لا نخاف إلا الله». وسأله صديقه عما يمكن أن يطلبه من الحكومة، فأجاب «حكومة؟ إية حكومة؟».