الأزمة الليبية .. حوار في الخارج وصدام في الداخل

خفت الحراك السياسي وتراجعت لغة الحوار، بعد أن علت أصوات دقات طبول الحرب، فلجنة الحوار السياسي أصدرت بيانا لم يرض الطرفين المختلفين حول مسألة الخروقات التي تعرّض لها الاتفاق السياسي، وأبرزها عقد مجلس الدولة واختيار رئيس له.

في حين فشل مجلس النواب في عقد جلسة واحدة في طبرق تقتصر على تعديل الإعلان الدستوري، والتصويت على منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني، على الرغم من دعوة بعض النواب لعقد جلساتهم خارج مدينة طبرق وهو أمر لم يحظ بإجماع المؤيدين للحكومة بعد، بينما نشط الحوار خارج ليبيا، حيث استضافت قطر اجتماعات لممثلي قبائل وشخصيات ليبيا، لبحث ملف المصالحة وعودة النازحين.

ماذا وراء اشتباكات زلّة.. النفط أم «داعش»؟

وكانت معلومات سبقت ذلك كشفت عن أن ترتيبات تجري لتنظيم حوار في السعودية، وتحديدا في مدينة مكّة يشارك فيه ممثلو القبائل الليبية والقوى الفاعلة الموجودة على الأرض في خارطة النزاع بين أطراف الأزمة الليبية.

وقبل الإعلان عن «تحرير» بنغازي قررت القيادة العامة للجيش البدء في تحرير سرت وشكلت غرفة عمليات لإدارة الحرب على «داعش» وفق معلومات جرى تداول أغلبها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصلت قوات تابعة للجيش إلى مرادة ثم زلة القريبتين من حقول النفط.

فيما توجهت قوات مدعومة من مدينة مصراتة إلى منطقة الجفرة، ووقع أول صدام متوقع بين القوتين أول من أمس الثلاثاء في بلدة زلة، وتحاشت قوات الجيش المنطلقة من خليج بمبة المرور على الطريق الساحلي، والاقتراب من الهلال النفطي الذي تسيطر عليه قوات حرس المنشآت النفطية التي يقودها إبراهيم الجضران المعروف بخلافه مع الفريق خليفة حفتر.

وبالتالي فقد أصبح الطريق أطول نحو سرت مما يصعب مهمة الجيش وخاصة في خط الإمدادات، ولكن قيادة الجيش أصدرت قرارا بتعيين العقيد مفتاح المقريف آمرا لحرس المنشآت النفطية بالمنطقة من رأس لانوف غربا وحتى ميناء الحريقة شرقا، دون أن تصدر قرارا بإقالة إبراهيم الجضران، والأخير والمقريف ينتميان إلى قبيلة المغاربة.

يرى بعض المراقبين أن الجيش يحاول السيطرة على الحقول النفطية مقابل سيطرة الجضران على الموانئ النفطية قبل التقدم نحو سرت

ويرى بعض المراقبين أن الجيش يحاول السيطرة على الحقول النفطية مقابل سيطرة الجضران على الموانئ النفطية قبل التقدم نحو سرت، في حين عزّزت كتائب من مصراتة تمركزها عند بوّابة أبوقرين (100 كلم غرب سرت) في انتظار ما تسفر عنه المواجهة المرتقبة بين الجيش وتنظيم داعش، دون التورّط على ما يبدو في التصادم مع الجيش هناك، وفق مصادر من مصراتة، وكل طرف يحاول استخدام تحرير سرت ورقة قوية في أي مفاوضات قادمة، إلى جانب ما ستؤول إليه الأمور في حالة ما أخذ التحشيد العسكري وجهة حقول النفط.

إعادة ترتيب مدينة درنة
من جانب آخر، وفيما دعت أصوات في درنة إلى اختبار حسن نية لما يعرف بـ«مجلس شورى مجاهدي درنة» بعد انسحاب تنظيم «داعش» من المدينة، وإمكانية فتح حوار مع المجلس حول إعادة ترتيب الوضع في درنة والموقف من العملية السياسية في البلاد، وعدم حشر المجلس في زاوية توصيفه بأنه توأم تنظيم القاعدة، حتى لا يتكرّر سيناريو بنغازي، قال الناطق باسم القيادة العامة للجيش العقيد أحمد المسماري الثلاثاء: «لدينا غرفة عمليات عمر المختار بمنطقة درنة مهمتها القضاء علي التنظيمات الإرهابية وبقايا القاعدة والتنظيمات الإجرامية والإرهابية الفكرية».

وأوضح أن هذه الغرفة «لديها أوامر باقتحام مدينة درنة وتطهيرها من هذه الجماعات وتنتظر أوامر من القيادة العامة لكن قواتنا المرابطة في الفتائح والمناطق المجاورة أعطت مهلة لأعيان وحكماء درنة للتفاوض مع هذه الجماعات لتسليم أنفسهم وأسلحتهم تجنبًا لإحداث دمار في هذه المدينة، وقواتنا المسلحة قادرة في أي لحظة على اقتحامها». ورحب رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا مارتن كوبلر رحب بتوحيد الجهود لمحاربة تنظيم «داعش»، وشدد على ضرورة أن يحارب «داعش» بـ«جيش ليبي موحد»، مبينًا أنه «وفقًا للاتفاق السياسي هناك قائد أعلى وهذا لا يستثني الجميع» لأن ذلك «هو الأسلوب الوحيد لمحاربة التنظيم».

وقال: «الجيش الوطني لابد أن يقوم بدوره ووظيفته، وأحث الجميع بشدة على الالتزام بالاتفاق ودعم الوفاق والأمر مرهون بيد الشعب الليبي».

وأعرب كوبلر عن قلقه من توسع «داعش» في ليبيا، وشدد على ضرورة وجود «مؤسسات قوية» لاتخاذ القرارات لمواجهة الوضع الصعب في البلاد، معتبرا أن «فرض الحلول أمر غير مجد».

وبشأن مجلس النواب، قال المبعوث الأممي إلى ليبيا: «لا أرى مجلس النواب قويًا في الوقت الحالي»، و«لا أرى مؤسساتية قوية في طرابلس وبالتالي يجب أن نعمل معا لتعزيز دور تلك المؤسسات.. دوري فقط تقديم المشورة».

أمام هذه الصورة لازال كثير من الليبيين ينتظرون مبادرات جديدة من هنا أو هناك من أجل تمكين البرلمان من عقد جلسة مكتملة النصاب لتجاوز عقبتي تعديل الإعلان الدستوري والتصويت على منح الثقة لحكومة الوفاق، ليبدأ العمل على بناء مؤسسات الدولة، وفي المقابل تتجه أنظار آخرين إلى محيط منابع النفط في الصحراء الليبية وإلى مدينة سرت حيث طبول الحرب تدق تحت عنوان الحرب على «داعش»، لكنها لن تكون بعيدة عن النفط.

المزيد من بوابة الوسط