الموقف التونسي من التدخل العسكري يفاجئ الجزائر ويغضب ليبيا

شكّل تحول الموقف التونسي من التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا، «مفاجأة» في الجزائر المتحسسة من الخطوة بكل ما ترمي إليه من تلقي الغرب الضوء الأخضر لرسم مرحلة جديدة، يكون لتونس دور حيوي وتكون باحة خلفية لتسهيل المهمة المثيرة لغضب الجانب الليبي أيضًا.

وخروج المسؤولين التونسيين يكاد بشكل يومي للتأكيد على موقف الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، الداعم للتدخل العسكري الخارجي ضد تنظيم «داعش» في ليبيا، إذا ما تم تحت مظلة الأمم المتحدة وفق ما قال وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي، الذي زار الجزائر قبل أسابيع قليلة، لكن ما يعمّق من حالة الغموض تصريح الناطق باسم الرئاسة التونسية معز السيناوي لوسائل إعلام محلية بكون «تونس تؤيد ضربة مشابهة لعملية صبراتة مع أنها لم تكن بغطاء أممي».

ويعكس الموقف التونسي الرسمي الذي كان يعبر في كل مناسبة عن تطابق وجهات النظر مع الجزائر الرافضة للتدخل في الشؤون الداخلية لدولة ليبيا، استعدادها للقيام بدور حيوي لدى تلقي المجتمع الدولي الضوء الأخضر لشن هجوم عسكري، إذ تعول الدول الغربية على حكومة الوفاق لمحاربة تنظيم «داعش» في مدينة سرت، ووقف تدفق المهاجرين من السواحل الليبية، لكن الأمر يحتاج إلى باحة خلفية لتسهيل المهمة وقد تكون تونس هي الدولة التي يعول عليها، خصوصًا أن تقريرًا أميركيًا لـ«واشنطن بوست» كشف قبل أيام عن دور «كوماندوس» خاص في مساعدة القوات التونسية في ملاحقة واستهداف الإرهابيين، داخل البلاد وعبر الحدود مع الجزائر وليبيا، وتحدثت مصادر أميركية عن الدور الذي قامت به تلك القوات في مساعدة الأمن التونسي على ملاحقة وقتل الإرهابيين الذين قاموا بعمليات إرهابية في تونس العام الماضي.

وهذا التحول اللافت المبني على المصالح وليس القناعات لدى تونس يحيل إلى المخاوف الجزائرية المعبر عنها قبل أشهر لدى حصولها على صفة «حليف استراتيجي» في حلف الناتو خلال زيارة الرئيس قايد الباجي السبسي إلى واشنطن. ومن ضمن ما ورد في الاتفاقية الموقعة بتاريخ 13 نوفمبر 2015، بأن تفتح تونس أجواءها من دون شروط أو قيد لقوات الناتو للتجسس ولمسح الأراضي عبر طائرات «الأواكس». وإلى جانب السماح بوجود قوات أجنبية على أراضيها للمراقبة الإلكترونية عبر الأقمار الصناعية والطائرات من دون طيار، والمجسات الأرضية أو عبر جنود البحرية لقوات الناتو بما فيهم جنود البحرية الأميركية (المارينز).

سيناريو الوكالة
ويفسر أستاذ السياسات الأمنية بجامعة البليدة (غرب الجزائر) سليم حمادي في تصريح لـ«بوابة الوسط» هذا التحول في المواقف، أن تونس تعتبر منطقة رخوة في خاصرة الجزائر، إذ ليس لديها جيش نظامي قوي وهو موروث عن عهد نظام بن علي، وأمر ثانٍ في الإستراتيجية ما يسمى بالحرب الاستباقية، أي أن يضمن الغرب موافقة دولة في المنطقة لتعمل على تأمين المناطق الحدودية ومحاصرة التنظيم الإرهابي «داعش» لكي لا يتدفق السلاح، وبالتالي ستأخذ تونس على عاتقها المهمة أثناء التدخل.

وذكر الأستاذ الجامعي أن الغرب يسعى لتطبيق إستراتيجية المحاربة بأبناء المنطقة بدل أن يقاتل بعساكره كما نراه في العراق وسورية.

وبعد أن أكد أن التدخل موجود أصلاً عبر قوات بريطانية فرنسية إيطالية يعملون بصفة استشارية مهمتها التحضير لتدخل عسكري، رسم سليم حمادي سيناريو ما يدور في الكواليس بتونس والجزائر، موضحًا أن بلاده هي ذاتها مستهدفة وتبقى تناضل لمبدأ عدم التدخل، لكن هناك احتمالاً أن تدعم الجيش التونسي بشكل ما وهي تدعمه فعلاً لوجيستيًا بعد اتخاذ القرار الفعلي للتدخل العسكري في ليبيا لمنع تمدد «داعش» إلى أراضيه، فقد فهم الغرب الموقف الجزائري الذي لا يبيح الزج بجيشه خارج الحدود، وأوكلت المهمة إلى تونس، لكن لا يمكن أن يعول عليها في الميدان بل في المعلومات الاستخباراتية وفق تعبيره.

وكان وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية الجزائري، عبدالقادر مساهل، قد كشف عما يدور في بعض السفارات المعتمدة ببلاده بضرورة أن تغير الجزائر إستراتيجيتها، بخصوص التدخل الخارجي قائلاً «لن نحيد عن مبدأ تفعيل الحل السياسي وحل الأزمات عن طريق الحوار».

مسك العصا من النصف
من جانبه يعتقد الإعلامي التونسي، نبيل شاهد، أن تضارب تصريحات السبسي بشأن التدخل الغربي في ليبيا مجرد محاولة لاسترضاء مختلف الأطراف المتدخلة في الصراع، ومحاولة لطلب مساعدة غربية في مواجهة خطر «داعش»، لكن ضمن شروط لا تمس بالعلاقات التونسية الجزائرية بعد تطمينات متكررة للرئيس الجزائري بوتفليقة.

وذكر نبيل شاهد في اتصال مع «بوابة الوسط» أن نفس هذا الموقف حدث سنة 2011 خلال عمليات الناتو ضد نظام القذافي، والتي كانت بتسهيلات من السبسي نفسه دون أن تؤثر في الأمن على الحدود مع الجزائر.

وبالتالي يرى أن السبسي يحاول مسك العصا من النصف فيما يتعلق بالملف الليبي دون أن يمس بعلاقة تونس مع مختلف الأطراف.

المزيد من بوابة الوسط