جمعة عتيقة: انهيار الدولة والفراغ المؤسساتي كان سببًا في تعقيد المشهد الليبي

اعتبر النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني العام السابق جمعة عتيقة أن حكومة الوفاق الوطني هي خطوة أولى لتوحيد العنوان السياسي للدولة الليبية ووقف التشظي والانقسام، مشيرًا إلى أن ملفات عديدة تنتظرها وأمامها مهام وصعاب وعليها أن تحسن ترتيب أولويات هذه الملفات، وقال جمعة عتيقة، خلال حديثة لجريدة «القدس العربي» اليوم الأحد: «أنا أرى أن على رأس هذه الأولويات: ملف المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وحكومة الوفاق تملك رأس مال رمزيًا قويًا سيدعمها إذا أحسنت استخدامه وهو تأييد الناس ورغبتهم في إقرار الأمن وإنهاء حالة التشرذم والفوضى ووضع لبنات بناء الدولة وإقرار الأمن وتحقيق التنمية».

«ضعف النخب السياسية وافتقارها للتجربة»
ورأى عتيقة أن المشهد يجب ألا يقرأ بمعزل عما يحدث في المنطقة خاصة في الدول التي مرت بما أطلق عليه «الربيع العربي» مع اختلافات تمليها طبيعة وتركيبة الواقع السياسي والاجتماعي في كل بلد بـ«النسبة لليبيا كان انهيار الدولة والفراغ المؤسساتي سببًا في تعقيد المشهد وفي حالة الانقسام المستشري، وكذلك ضعف النخب السياسية وافتقارها للتجربة والقاعدة الشعبية كنتيجة لاحتكار النظام السابق لكامل مساحة العمل السياسي ومصادرة حتى أبسط هوامش حرية الرأي مما أفرز بعد الثورة طبقة من السياسيين الذين يفتقرون إلى التجربة والقدرة على قيادة الناس والبدء في بناء الدولة».

وتابع عتيقة: «غير أن هذا الواقع في صورته بدأ يفرز بعضًا من المؤشرات الإيجابية مثل اعتماد الحوار والتوافق سبيلاً لحل المشكلات وتعايش الاختلاف. صحيح أن التحديات كبيرة والمخاطر المحلية والخارجية عدة ولكن يبقى الأمل في الخروج من الأزمة قائمًا خاصة وأن كافة الأطراف المتصارعة أدركت أن الاحتكام إلى قانون الغلبة والقوة سوف لن يحسم الأمر لمصلحة طرف واحد، وحوادث التاريخ علمتنا أن أي صراع لا يحسمه طرف واحد حسمًا نهائيًا، وسوف ينتهي بالتفاوض والحوار ثم التوافق. ودور المرأة في صناعة السلام لا يحتاج إلى تأكيد ولكنه يحتاج إلى تمكين وتوفر آليات المشاركة المجتمعية، وهي للأسف ضعيفة في ليبيا».

«أعقد الملفات التي تواجهها الحكومة»
وأشار عتيقة إلى أن ملف المجموعات المسلحة من أصعب وأعقد الملفات التي تواجهها حكومة الوفاق الوطني ومدى نجاحها في التعامل معها يعتمد على قدرتها في اعتماد خطة عملية واقعية لتفكيك هذه المجموعات وإدماجها في جيش وطني عقيدته القتالية الدفاع عن الوطن وحماية الدولة محتكرًا استعمال السلاح باسم الدولة، «وأرى أن هذا الأمر يحتاج إلى قرارات شجاعة وحاسمة وجريئة وإلى مساعدة الدول الداعمة لهذا التوجه، لن يمرّ الأمر دون صعوبات وخروقات ولكن وضع استراتيجية نافذة سيمكن ليبيا من الوصول إلى نتائج جيدة في هذا الإطار».

وخريطة القوى السياسية والعسكرية في ليبيا متداخلة ومحكومة باعتبارات جهوية وأيديولوجية مما يجعل تناغمها وتوافقها في غياب مشروع الدولة أمرًا عسيرًا، غير أنني أراهن على أنه في الإمكان في ليبيا الوصول إلى توافقات تتطلب بدورها تنازلات من جميع الأطراف، يبقى الإرهاب المعضلة الوحيدة التي تواجه الليبيين جميعًا «داعش» تحاول أن تتمدد، الجغرافيا قد تساعدها الفراغ الديمغرافي والأمني، وهذه مسؤولية الجميع وأعتقد أن الكثير من الأطراف بدأت تعي ذلك.

«إنزال قوات برية في ليبيا أمر بعيد الاحتمال»

ولفت عتيقة إلى أن الإرهاب ظاهرة كونية لا يمكن محاربته إلا بمشروع إنساني دولي، يعتمد كافة الوسائل ولا يعتمد فقط على استعمال القوة بل تجفيف المنابع، وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاربة القهر والفقر والجهل باستراتيجية جماعية وجهود مجتمعية، ثم إن الإرهاب كظاهرة اجتماعية لم تخل منها أي مرحلة تاريخية في تاريخ البشرية، وإن تعددت الأشكال واختلفت المسميات.

وحول التدخل الخارجي العسكري قال عتيقة: أعتقد أنه لن يتجاوز حدود الضربات الجوية، أما إنزال قوات برية فهو أمر بعيد الاحتمال. أما التدخل بصورة أخرى فهو قائم من قبل أطراف إقليمية ودولية نتيجة ضعف الدولة، ولا ننسى أن ليبيا لا تزال تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يجيز استعمال القوة المسلحة لأن الوضع في ليبيا يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، إذن أي حديث مبالغ فيه عن السيادة هو نوع من السذاجة السياسية أو العنتريات التي ما قتلت يومًا ذبابة.

ولا ننسى الهجرة غير الشرعية التي تتطلب جهدًا عالميًا تتحمل فيه الدول الكبرى مسؤوليتها بالكامل عن طريق إنشاء كيان دولي وصندوق خاص لمعالجة هذه الظاهرة وتوطين هؤلاء الناس في بلدانهم لتوفير سبل العيش الكريم وعدم الاكتفاء بوسائل التصدي التقليدية التي لن تجدي نفعًا في اعتقادي في مواجهة من قرر الموت ومصارعة الأمواج وعبور الصحاري طلبًا للعيش الكريم.

«المصالحة الوطنية أولوية قصوى»
أنا من المؤمنين بأن المصالحة الوطنية أولوية قصوى ويجب أن تبني في المستقبل بمعنى عدم الالتفات إلى الماضي إلا لأخذ العبرة لعدم التكرار، ولا بد من وضع حجر الأساس لبناء الثقة وإقرار مبادئ العدالة الانتقالية مع الأخذ في الاعتبار عدم تطبيق قواعدها المنقولة إلينا بحذافيرها، بل أخذ الواقع الاجتماعي والتاريخي والثقافي للمجتمع الليبي في الاعتبار، وذلك لتحقيق نتائج عملية بدلاً من التحليق في سماء التنظير. كما أشرت سلفًا لا يمكن تطبيق العدالة الانتقالية باستنساخ تجارب الآخرين ولكن بخلق نموذج يوائم واقعنا الاجتماعي والتاريخي وللأسف فإننا لم نفلح في تطبيق أي خطوة فاعلة في هذا الإطار.

أما بخصوص اتباع النظام السابق أنا أرى أن الفيصل في التعامل يجب أن يكون القانون وعدم الإفلات من العقاب لمن أجرم. أما ما عدا ذلك فحق المواطنة مكفول للجميع ولا تجوز محاسبة الإنسان على عواطفه أو ميوله ومعتقداته الخاصة.

«الاكتفاء بدستور موقت»
أعتقد أن فرصة وضع دستور يصنعه ويشارك فيه الجميع تتطلب توافر ثقافة دستورية يعرف بها المواطن معنى الدستور خاصة في بلد غاب عنه هذا المفهوم عقودًا طويلة، وقد دعوت في كثير من المناسبات إلى الاكتفاء بدستور موقت والبدء في حملة توعية ومشروع وطني لبناء ثقافة الدستور في عقول الناس، أنا لا أعتقد أن أي مسودة دستور آتية ستلبي هذا الطموح ويحترمها المواطن ويدافع عنها حين الاعتداء عليها.

لقد ترأست المؤتمر الوطني العام فترة قصيرة بعد استقالة رئيسه الدكتور محمد المقريف؛ حيث كنت نائبًا أولاً له، وقد استقلت بعد ذلك لأنني لمست الخلل البنيوي في تكوين المؤتمر، والذي كان ناجمًا عن الإعلان الدستوري المعيب وكذلك عايشت سعي بعض الأطراف للهيمنة واحتكار السلطة باستخدام كافة وسائل الترغيب والترهيب، وكذلك فقر الثقافة السياسية والحصيلة الفكرية الثقافية لدى أغلب الأعضاء.

«دول الجوار الليبي»
الجوار الليبي سيتأثر بما يجري في ليبيا وهذه سنة الله في كونه، وعلى هذه الدول المساعدة في بناء واستقرار الدولة في ليبيا لأن غير ذلك سوف تكون له انعكاسات سلبية على أوضاعها ودور الأمم المتحدة مهم جدًا، ولا ننسى أن ليبيا الحديثة ولدت من رحم الأمم المتحدة وجهود بعثتها في ليبيا مقدرة عاليًا ورعايتها للحوار أوصلتنا إلى خطوة متقدمة على الطريق.

أما عن المجتمع الدولي، فأنا أتحفظ على هذا الاصطلاح ليس هناك مجتمع دولي بالمفهوم الأفلاطوني ولكن هناك دولاً كبرى ومصالح متداخلة ومتقاطعة ليس فيها شيء لله! ولا مجال فيها لرومانسية العواطف، وهنا علينا أن نجيد قواعد اللعبة بما يحقق مصالحنا ويحفظ لنا حدودًا معقولة من استقلال القرار الوطني.

يجب أن نعيد قراءة ما سميناه بـ«الربيع العربي» وأن نخرجه من دوائر العواطف إلى جدلية التاريخ، عندها قد نتمكن من التصحيح والاستدراك وتوقيف نزيف الدم.. فحقائق الأمور تقول إن «المؤامرة كبيرة» على هذه الأمة.

المزيد من بوابة الوسط