الانقسامات الغربية تعيق خطوات مساعدة السراج

لم تحقق الدول الغربية الخمس، التي اجتمعت في مدينة هانوفر الألمانية لبحث الأزمة الليبية، أي إنجاز على طريق بلورة آلية عملية لإنقاذ المجلس الرئاسي في ليبيا من السقوط في نفس المأزق الذي وقعت فيه الحكومات الليبية المتعاقبة.

ورغم وحدة الصف الظاهرية التي أعلنها زعماء ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، في حضور الرئيس الأميركي بارك أوباما، فإن استراتيجية تعامل كل دولة مع المستجدات الليبية تظل متباينة إلى حد التضارب.

التطبيع البعيد
وقال دبلوماسي كبير في بروكسل لـ«الوسط» إن المؤشر الحاسم لتطبيع الوضع الليبي الذي كان منتظرًا صدوره عن قمة هانوفر، وهو تحديد موعد لعودة بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، لم يتم الإعلان عنه، مما يعني أن الوضع السياسي لحكومة فائز السراج بعيد كل البعد عن التطبيع.

المصدر أكد أن أي دولة لم تتجرأ حتى الآن على استئناف تمثيلها دبلوماسيًا في طرابلس رغم الزيارات المتكررة للعاصمة الليبية.

مصدر آخر في بروكسل قال لـ«الوسط» إن الدول الأوروبية تلقت طلبًا رسميًا بإرسال ما بين 200 إلى 300 جندي لحماية بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، وأن أيًا منها لم ترد على هذا الطلب حتى الآن.

وأضاف أن جميع الدول متفقة على عدم المجازفة بجنودها في مدينة تسيطر عليها ميليشيات متناحرة. لكن مصدرًا آخر أكد أن الدول الأوروبية في غالبها تعتبر أن الألماني مارتين كوبلر «انتهت مهمته» وأخفق في المهمة الرئيسة المنوطة به، وهي التوفيق بين المتطلبات المرتبة لشرعية البرلمان وضروريات إرساء حكومة التوافق، مشيرًا إلى أن إيطاليا وضعت 100 من رجال المظلات من فرقة «توسكانا» الشهيرة تحت تصرف كوبلر بهدف تأمين الدبلوماسيين.

كما فشلت الأمم المتحدة في الحصول على رد من فرنسا والسويد والنرويج وكولومبيا، بخصوص توفير الحماية لبعثتها في طرابلس. وقال دبلوماسي: «حتى الآن عودة كوبلر للإقامة في طرابلس نوع من الوهم».

إدارة الهجرة
من جانبه، قال السويدي يان إليسون، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، بعد لقائه الممثلة العليا للسياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغيريني في بروكسل، إن أي تحرك لإدارة الهجرة في ليبيا يستوجب حضورًا مدنيًا للأمم المتحدة ووكالة غوث اللاجئين وهو أمر غير متوافر حاليًا. بينما يرى دبلوماسيون آخرون أن طلب حماية مرافق النفط الذي تقدم به السراج، بشكل غير واضح وغير رسمي، يستوجب قرارًا من مجلس الأمن وهو أمر غير ممكن من دون موافقة الصين وروسيا، وهو الدافع الرئيس من وراء التنسيق الغربي الذي ظهر في هانوفر.

من ناحية أخرى، وعمليًا لم يتم الاتفاق سوى على تمكين «الناتو» من القيام بدوره في إدارة أزمة الهجرة غير الشرعية، في مبادرة تعتبر انتكاسة فعلية لجهود الاتحاد الأوروبي لتولي دور أمني وسط المتوسط، وتعكس احتدام المنافسة الإيطالية الفرنسية حول ليبيا والمناورات البريطانية المرافقة لها.

وفيما تراهن إيطاليا بوضوح على سيطرتها على مناطق غرب ليبيا لدوافع نفطية وأمنية وسياسية، تعمل فرنسا على ربط سياستها في ليبيا بمصالحها في جنوب الصحراء وبعلاقاتها الوثيقة مع مصر ودول الخليج. أما بريطانيا فتراعي مصالحها النفطية فقط والمتمثلة في شرق البلاد.

وتحبذ واشنطن حاليًا دعم الموقف الإيطالي المقرب من الإخوان المسلمين وتركيا، والذي يعزز موقف الناتو في مواجهة روسيا.

عودة إلى المراهنات
الخلافات المشتعلة باتت تعيق بشكل كبير الاتفاق على استراتيجية حاسمة ومشتركة لحماية المجلس الرئاسي، وتعود بالدول الغربية إلى المراهنة على انتزاع شرعية للمجلس من أعضاء مجلس النواب، ولكن مقابل ثمن محدد يتعلق بمستقل الجيش الليبي هذه المرة من جهة، وآلية التعايش أي سلطة في طرابلس مع الميليشيات المسلحة من جهة أخرى.

ويضيف أحد الدبلوماسيين المتابعين الملف الليبي في بروكسل أنه ووسط هذه الفوضى الدبلوماسية التي تعصف بالحكومات الأوروبية، ووسط استمرار الخلافات بين الفرقاء الليبيين، فإن إشكالية دحر «داعش» تبدو وكأنها مجرد عنصر إضافي وثانوي حاليًا.

فيما يرى محللون أنه مهما كانت درجة الاندفاع الإيطالي، تظل محدودية قدرات روما في الرد على أزمة في دولة بحجم ليبيا عائقًا، حيث قدروا عدد الجنود الإيطاليين الواجب نشرهم في حالة اتخاذ روما قرارًا فرديًا بإدارة الوضع الليبي بالآلاف، حتى وإن اقتصر الأمر على حماية طرابلس فقط.
للاطلاع على العدد الثالث والعشرون من صحيفة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)