درنة.. ما بعد داعش

من اليسير جدًا على كل ملاحظ ومتابع أن يرصد ملامح الفرحة الساطعة في مدينة درنة عقب تحررها من تنظيم «داعش» يوم 20 أبريل الفائت. ولعل من غرائب ما يسوقه القدر هو أن هذا التاريخ نفسه من العام الماضي حمل ذكرى سيئة في وجدان أهل المدينة، وهي الهجوم البشع الذي تعرضت له عائلة الحرير على أيدي عشرات من منتسبي تنظيم «داعش»، وأدى إلى استشهاد 6 أفراد من هذه العائلة المقاومة.

كان وقع خبر الانسحاب أشبه بحلم عصي عن التحقق، خصوصًا أن الأيام القليلة التي سبقت هذا الانسحاب شهدت مواجهات عنيفة

لقد استمرت الحرب ضد تنظيم «داعش» أكثر من عشرة أشهر، فبدايتها كانت عصر يوم 9/6/2015 ومنذ ذلك اليوم إلى يوم التحرير عاشت المدينة وأهلها في قلق دائم في ظل تساقط القذائف والصواريخ على المدينة والقادمة من مرتفعات الفتايح وحي ال400 في أقصى منطقة الساحل، وكذلك في ظل استمرار النزيف شبه اليومي في أرواح مقاتلي المدينة، والتي أغلبها من الشباب الذي أثبت جدارته في مقارعة ومحاصرة هذا التنظيم العالمي الشرس.انسحاب «داعش»
فجر الأربعاء الماضي، وفي تغير دراماتيكي سريع جدًا استيقظ أهل المدينة على خبر انسحاب «داعش» من المدينة في اتجاه الجنوب الشرقي، وقد تواترت الأخبار عن اشتباك القوة المنسحبة مع قوات للجيش في منطقة المخيلي.

يقول لـ«الوسط» الناشط السياسي صفوان المسوري من مدينة درنة، «كان وقع خبر الانسحاب أشبه بحلم عصي عن التحقق، خصوصا أن الأيام القليلة التي سبقت هذا الانسحاب شهدت مواجهات عنيفة جدًا بين مجلس الشورى والأهالي مع «داعش» في منطقة الكورفات وحي الصالات، وأوهمت هذه المواجهات الجميع بأن فصول المعركة ما زالت طويلة، بعد الانسحاب تدافع السكان والأهالي إلى منطقة الفتايح وحي ال400 حيث مزارعهم ومساكنهم التي خرجوا منها عنوة منذ ما يقرب من سنة كاملة».

وأضاف المسوري «كان زحف الأهالي بالسيارات وسيرًا على الأقدام لكيلومترات طويلة نحو هذه المناطق مؤثرًا ومهيبًا جدًا خصوصًا في حضرة أعلام الاستقلال والنشيد الوطني، لكن الألغام التي لا تفرق بين أحد وتوزع الموت على الجميع كانت في انتظار هؤلاء، لقد زرع هذا التنظيم البشع أعدادا كبيرة من الألغام والمتفجرات بطرق خبيثة جدا، فبعضها وجد في عدادات الكهرباء وبعضها في صالونات المنازل وبعضها في الثلاجات وبعضها في لعب الأطفال إلى غير ذلك من الأشياء التي يستبعد العقل أنها تحوى هذه المفاجآت القاتلة»، مشيرا إلى أن أجواء الحزن سرعان ما خيمت من جديد على المدينة فقد راح ضحية هذه الألغام حوالي 28 شخصًا في ثلاثة أيام فقط.

الآن وبعد حوالي أسبوع من التحرير هناك واقع جديد قد تشكل وحلم مشروع آخر أخذ في التحقق الاقتراب، كذلك أسئلة حائرة كثيرة تشي به عيون أهل المدينة وهي تستشرف المستقبل.واقع جديد
وحول مستقبل المدينة القريب، يرى المسوري أن وجهات نظر أهل درنة تتباين وتختلف، إذ يرى فريق أن هذه المحنة العصيبة التي تعرضت لها المدينة من شأنها أن تجعل من «مجلس شورى المجاهدين» بقوامه الجديد الذي خفت فيه الأيديولوجيا نتيجة لانضمام العشرات من الشباب المتطوعين أن يتراجع عن نظرته الخاصة، التي لا يتفق معها الكثير من الليبيين حول مفهوم الشريعة وموقعها في الدستور ويقترب أكثر من الانصهار كليا في المجتمع، ويترك أهالي المدينة يقررون مصيرهم بأنفسهم.

فيما يرى آخرون، حسب المسوري، أن هذه الانتصارات قد تعزز من سطوة ونفوذ المجلس داخل المدينة في ظل الظهير الشعبي في هذه الفترة، التي اكتسبها من دوره المحوري في تحرير المدينة من قبضة تنظيم «داعش»، وبالتالي فإن هذا التموضع الجديد له قد يتيح له فرض تصوراته واجتهاداته الخاصة.

إقامة بعض المناشط الرياضية والثقافية في المدينة تعطي مؤشرًا قويًا على استرداد المدينة جزءًا من هويتها التي حاول الإرهاب تغييبها

لكن المسوري يعود ويؤكد أن الجميع تقريبا يتفق على أن المدينة يجب أن تسترد مظهرها المدني والحضاري، وأن تستعيد مكانتها وإسهاماتها التاريخية الكبيرة في مختلف مراحل التاريخ هذا الوطني.

ويعتبر المسوري أن إقامة بعض المناشط الرياضية والثقافية في المدينة تعطي مؤشرا قويا على استرداد المدينة جزءا من هويتها التي حاول الإرهاب تغييبها، وضرب مثلا بتلك الأنشطة، مثل عودة نادي القصة القصيرة، وكذلك مهرجان الأطفال ومارثون «درنة مدينة السلام» وافتتاح المكتبة الطبية الجديدة إلى غير ذلك من الندوات والمحافل العلمية والتوعوية الصغيرة.

كما لفت المسوري إلى ارتفاع الأصوات المطالبة بالإعداد لانتخابات المجلس البلدي بغية تحسين الخدمات في المدينة وإعادة ربطها من جديد بباقي أطراف الوطن، وقال إن الكثيرين من رواد ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي داخل المدينة يعتبرون إجراء هذه الانتخابات مقياسا دقيقا لمعرفة مدى اتساق مجلس شورى المجاهدين مع هذا المطلب المشروع للأهالي وهو مؤشر لا يخطئ لاختبار تموضعه الجديد.
للاطلاع على العدد الثالث والعشرون من صحيفة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة  PDF)