«جبهة» النفط تهدد بحرق الاتفاق والوفاق

عاد الانسداد السياسي ليخيّم على المشهد الليبي، على الرغم من توافد المزيد من المسؤولين الأوروبيين إلى طرابلس؛ حيث مقر المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وآخرهم سفيرة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا ناتاليا أبوستولوفا. وتعطلت الجلسات بمجلس النواب في انتظار ما تسفر عنه مفاوضات لجنة «6+6» التي تم الاتفاق على تشكيلها عقب فشل النواب في عقد جلستهم الأسبوع الماضي، وتضم ستة من مؤيدي حكومة الوفاق وستة من المعارضين، وإن توافق أعضاء اللجنة على بعض النقاط، يبقى من المستبعد أن تتوصل إلى توافق حول جميع نقاط الخلاف.

وفي تطور مفاجئ تحول الصراع السياسي إلى صراع على النفط، عندما حملت المؤسسة الوطنية للنفط التابعة للحكومة الموقتة ناقلة نفط هندية بـ650 ألف برميل من النفط الخام من ميناء الحريقة، وهو ما دفع مندوب ليبيا الدائم في الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي إلى تقديم شكوى إلى مجلس الأمن، وطلبت لجنة العقوبات بالمجلس الدولي المزيد من المعلومات من الهند والإمارات المتورطتين في الصفقة؛ حيث أكدت عدة تقارير أن شركة في الإمارات هي من عقد الصفقة، كما نددت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس بما جرى واعتبرته غير شرعي، وعبرت الولايات المتحدة عن قلقها من هذا التطور.

وسلطت صحيفة «الوسط» في عددها الصادر اليوم الخميس، الضوء على هذا الخلاف الجديد حول أي من الأطراف له أحقية تصدير النفط، في حالة لم يتم التوصل إلى توافق بشأنه سريعًا، فإنه على الصراع العسكري الذي بدأ يلوح الآن في المنطقة الوسطى من ليبيا حيث الهلال النفطي وسرت الخاضعة منذ عام لسيطرة تنظيم «داعش»، في ظلّ تداول معلومات عن تحشيد عسكري يتم الآن في المنطقة الشرقية، بقيادة الفريق خليفة حفتر تحت شعار التحرك نحو تحرير مدينة سرت.

انقسام المتخالفين
ويتحوّل الانقسام بين المتخالفين من انقسام سياسي معركته قاعة مجلس النواب، إلى صراع عسكري واجهته الحرب على «داعش» وحقيقته الصراع على حقول النفط وموانئ تصديره، لكن على الجانب الآخر يقف قائد حرس المنشآت النفطية إبراهيم الجضران، الذي تسيطر قواته على الهلال النفطي المعروف بخلافه الشديد مع الفريق حفتر لن يسمح وفق المعطيات الحالية بمرور قوة الجيش بمنطقة الهلال النفطي، وحيثما كانت حقول النفط، عند ذلك قد يحصل الصدام في إحدى أهم مناطق البلاد حساسية.

وكان الجضران قد أعلن ولاءه لحكومة الوفاق، منذ وصولها إلى طرابلس في نهاية مارس الماضي، ومنع الجضران ناقلة نفط من تحميل النفط الليبي من ميناء رأس لانوف؛ مما جعل رئيس الحكومة الموقتة عبدالله الثني يصدر قرارًا بإقالته، إلا أن القرار جمّد. وكان الشيخ صالح الأطيوش شيخ قبيلة المغاربة التي ينحدر منها الجضران, وقال لقناة 218 الفضائية مساء الثلاثاء: «الجيش ذاهب لتحرير مدينة ‫‏سرت‬ وليس للسيطرة على نفطها، نتمنى عدم حدوث صدامات بين حرس المنشآت النفطية والجيش، ودعمنا قواتنا المسلحة وطلبنا من الشباب الانضمام لها في حربها ضد ‫الإرهاب‬ في ‫سرت‬».

التكهنات الأكثر تشاؤمًا إزاء هذا المشهد هو تخوف مصراتة من إمكانية وصول القوّة التي قال عنها مدير المكتب الإعلامي للقيادة العامة للجيش الليبي، خليفة العبيدي، أمس الأربعاء، إنها في جاهزية تامة لمعركة «القرضابية 2»، وفي انتظار الأوامر للتحرك باتجاه مدينة سرت، لأن مصراتة وفق مصادر تحدثت معها «الوسط» ترى في وصول القوّة إلى سرت هو وصول إليها، خاصة بالنظر إلى ما تردد عن أن القوة تضم مقاتلين من مناطق حول المدينة وعلى علاقة عداء معها، وبالتالي ستجد نفسها في حالة صدام أكيد مع هذه القوة. لذلك اتخذ المجلس العسكري للمدينة خطوات استباقية بتحشيد مقابل وإعلان النفير وتوجيه كتائب عسكرية إلى مناطق محيطة بسرت، وإلى منطقة الكفرة جنوبًا، مما ينذر بصدام لا يمكن تقدير عواقبه بين القوتين المقبلتين من الشرق، ومن الغرب وموقع حرس المنشآت من هذا الصدام وهنا مكمن التشاؤم.

مواقف الغرب
في السياق نفسه تبدو مواقف الغرب غير واضحة أمام هذا المشهد، بل هي متضاربة أحيانًا، فموقف فرنسا الذي يحمل تأييدًا للجيش يقابله موقف إيطالي مغاير، بينما تذكّر الدول الغربية الأخرى بالقرارات الأوروبية، وقرارات مجلس الأمن التي تؤكد دعم حكومة الوفاق، أما المجلس الرئاسي الذي لا يملك حتى الآن قوة تمثله على الأرض، فقد اكتفى بإصدار بيان حذّر فيه من «وقوع هجمات على بعض المواقع النفطية»، ودعا المجتمع الدولي والأمم المتّحدة إلى مساعدة الحكومة «طبقًا لقرارات مجلس الأمن، وعدم السماح لأي طرف كان بالسيطرة أو استغلال الموارد النفطية خارج شرعية الدولة».

ويبقى القول إنه إذا حدثت الحرب حول الهلال النفطي، وهذا أمر غير مستبعد، لأننا أمام مشهد يبدو فيه الصراع واضحًا على السّلطة والثروة، فسيكون لها عواقب وخيمة تهدد بحرق الاتفاق والوفاق، وبانقسام مأساوي للبلاد، ما لم تفلح الجهود في محاولة جمع البرلمان من جديد للنظر في مسألة منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني وتعديل الإعلان الدستوري.

ولعلّ اجتماع لجنة الحوار السياسي المقرّر، اليوم الخميس، في تونس للنظر في خروقات الاتفاق السياسي والمحافظة على مساره من فتح كوّة للتفاؤل أمام مشهد يبدو الآن معقّدًا بقدر يفرض التشاؤم.