وساطة جزائرية بين أنقرة ودمشق مقابل دور تركي في الملف الليبي

قبل أيام، بدأت تتكشف خيوط وساطة جزائرية بين أنقرة ودمشق في الملف الكردي، ولأهمية المسألة في حفظ الأمن القومي لكلا البلدين الجارين، تبرز «مقايضة» الجزائر بدور تركي تطمح لأن تقوم به في ليبيا، باعتبارات النفوذ والمصالح للرئيس رجب طيب أردوغان.

جريدة «الوسط» استعرضت في عددها الـ 22 ملامح دور الجزائر التي تقود وساطة سرية بين سورية وتركيا، بطلب من أنقرة، بدأت ملامحها تتضح شيئًا فشيئًا منذ زيارة وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، قبل أسابيع. وتحاول الجزائر إحراز تقدم موازٍٍ في الملف الليبي مع دخول حكومة الوفاق إلى طرابلس.وساطة سرية
وكشفت مراجع دبلوماسية جزائرية أخيرًا أن الوساطة السرية بين أنقرة ودمشق ترعاها الجزائر على الرغم من العلاقات المتأزمة جدًا، إذ يريد الأتراك والسوريون تبادل الرؤى حول رغبة أكراد سورية في إنشاء إقليم فيدرالي مستقل، فقد شرعت الوساطة الجزائرية في اتصالات عبر سفاراتها في أنقرة ودمشق، وفتحت قناة اتصال بين العاصمتين، مشيرة إلى أن التواصل لم يكن مشجعا، في كثير من الأحيان.

وإن كانت المساعي لا تزال في المهد، إلا أن الجزائر من المهم بالنسبة لها القيام بدور مع تركيا في مقابل تحقيق مطالب لها في ليبيا، ووفق مراقبين «تعمل تركيا لحفظ مصالح الجزائر هناك، بخفض مستوى تشظي الإرهاب في ليبيا إلى داخل أراضيها، حيث تمتد حدود طويلة تثير هواجس تسلل (الدواعش)، بل تطمح أيضاً لإسناد تركي لدورها في الملف الليبي».

النفوذ
وتدرك السلطات الجزائرية النفوذ المباشر لأنقرة على بعض هذه التنظيمات التي ترتدي عباءة تيار «الإخوان المسلمين»، ويمتد إلى بعض الميليشيات الليبية المسلحة، وما يعزز من ذلك اختيار رئيس حزب الوطن الليبي وقائد المجلس العسكري في طرابلس سابقاً، عبد الحكيم بالحاج، الاستقرار قبل نحو سنة في تركيا رفقة قياديين آخرين من تنظيم «فجر ليبيا»، كما عقد رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، مارتن كوبلر، شهر مارس الماضي اجتماعاً في إسطنبول مع عبد الحكيم بالحاج، تمحور حول تسهيل عمل الحكومة التوافقية برئاسة فائز السراج في العاصمة طرابلس.

ولا يعني الأمر، توتراً بين إخوان ليبيا والجزائر، إذ تقوم سياسة الجزائر منذ بداية الأزمة على احتواء بعض التنظيمات والتواصل معها كجماعة بالحاج النافذة في طرابلس، درءاً لدخولها في صراع مع حركات الإسلام السياسي، في حين ترفض أي تدخل عسكري أجنبي تكون له انعكاسات وخيمة داخل البلاد، بيد أن المسألة تتعلق بمدى «النفوذ» التركي في ليبيا، أين يساعدها أيضاً رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، لعلاقته الجيدة مع عبد الحكيم بالحاج.طرف في الحلول
وأمام التحركات الدبلوماسية في المسألة الليبية عبر محور تركيا، يعتقد المحلل السياسي الجزائري الدكتور يوسف بن يزة بأن المواقف الجزائرية إزاء الأزمة طيلة السنوات الماضية بينت أنها تريد أن تكون طرفًا في الحلول وليس في المشكلات، حيث يرى الأستاذ الجامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة باتنة (شرق الجزائر) أن جهود بلاده بدأت تؤتي أكلها بعد أن انتبه المجتمع الدولي والقوى العظمى إلى صحة الطرح الجزائري ونضجه الداعي إلى الحل السياسي، ولذلك تعمل بعض الوفود الأجنبية التي زارت العاصمة الجزائرية للنظر في إمكانية إسناد أدوار جديدة ضمن التوجه نفسه لإحلال السلام بعد إدراك المجتمع الدولي عدم جدوى الحلول الاستئصالية وتلك العنيفة لهذه المشكلات وفق قول بن يزة لـ«الوسط».

ومعلوم أن التنافس التركي مع فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والولايات المتحدة على أسبقية التواجد في ليبيا أخذ الشكل الدبلوماسي منذ أن وطئت أقدام «الرئاسي» طرابلس، تمهيداً لاقتناص مكاسب اقتصادية، حيث تتقاطع زيارة رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إلى العاصمة الليبية الأربعاء، مع تواجد وزير الشؤون المغاربية والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية الجزائري عبد القادر مساهل، كما قدمت تركيا والجزائر خلال القمة الإسلامية في اسطنبول - وفق البيان الختامي- مقترحاً «يدعو جميع الدول إلى عدم التدخل في شؤون ليبيا الداخلية، بما في ذلك تزويد الجماعات المسلحة هناك بالسلاح».

استدراك هفوة الحصان الخاسر
ويعني ذلك أن أنقرة تريد استدراك هفواتها السياسية في ليبيا التي أدت إلى تعثر اقتصادها منذ أن راهنت على «الحصان الخاسر» أثناء إطاحة القذافي وبعد ذلك، ما خلق مشاكل كبيرة بالنسبة إلى تركيا وإلى مئات الشركات التركية.وبلغة الأرقام فاق حجم التعاملات الاقتصادية بين دول المغرب العربي الخمس مع تركيا قرابة 20 مليار دولار تركَّز منها أكثر من 10 مليارات دولار مع ليبيا، والباقي موزع على بقية الدول المغاربية، وتقول الإحصاءات أيضاً إن تركيا تحصلت على مرتبة ثاني أكبر دولة في مجال المقاولات في العالم بعد الصين في العام 2014، وإن المشاريع التي بلغت قيمتها 28 مليار دولار ونفذتها الشركات التركية في ليبيا ساهمت بشكل كبير في اقتصادها المحلي.

كما كان ما يقارب 25 ألف عامل تركي مستقرين على الأراضي الليبية ويعملون في شركات تركية عديدة قبل مغادرتهم البلاد.

وكان السراج خلال لقائه أردوغان في اسطنبول دعا الشركات التركية التي توقفت أعمالها في ليبيا للعودة لاستكمال أعمالها والاستثمار في مشاريع جديدة بجميع المدن الليبية، إضافة إلى العمل على رفع قيود التأشيرة على الليبيين وتسهيل سفر الحالات الإنسانية والمستعجلة.
للاطلاع على العدد الثاني والعشرين من جريدة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط