تقرير: تفاؤل حذر في الشارع الليبي

بعد أسبوعين من وصول المجلس الرئاسي بحرًا إلى العاصمة الليبية طرابلس، لا يزال معظم الليبيين يساورهم شكوك ومخاوف حول احتمالات استقرار البلاد وخروجها من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخانقة والمعقدة التي عصفت بها طيلة الأعوام الخمسة الماضية.

ورغم أن الليبيين تنفسوا الصعداء يوم 30 مارس الماضي وهم يشاهدون، عبر تلفزيونات العالم، وصول رئيس وأعضاء المجلس إلى قاعدة طرابلس البحرية، إلا أن عددًا من المواطنين تحدثوا إلى «الوسط» أعربوا عن هذه المخاوف والشكوك.نظرة تفاؤل بالمجلس الرئاسي

الأستاذ الجامعي، أبو القاسم عمر، قال إنه «متفائل بشيء من الحذر بعد تمكن المجلس الرئاسي من دخول طرابلس وبدء اتصالاته مع العديد من المجالس البلدية وبعض المؤسسات الحيوية التي وقفت على الحياد إلى حد ما خلال الصراع المحموم على السلطة والمال».

وأضاف: «ما يقلقني فعلاً هو التزام رئيس المجلس الرئاسي ونوابه الصمت إزاء المسائل الشائكة التي أغرقت البلاد في الفوضى، خاصة الملف الأمني ومسألة الميليشيات المسلحة وتصريحات الشيخ الصادق الغرياني المحرضة على الفتنة والقتل والإفلات من العقاب».

وفي إحدى المقاهي الشعبية بحي قرجي (3 كلم غرب مركز العاصمة)، حيث تعود كثير من سكان هذا الحي كسائر الأحياء الليبية احتساء قهوة الصباح قبل الانصراف إلى مشاغلهم، هيمنت زيارة وزير الخارجية الإيطالي، باولو جنتيلوني، طرابلس و«تعليمات» المجلس الرئاسي بصرف مرتبات شهر مارس 2016 على الأحاديث المتبادلة، وإن طغت عليها كالعادة أخبار دوري أبطال أوروبا.

ويرى رمضان عاكف (35 عامًا) ويعمل مهندسًا بشركة خاصة لخدمات الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، أن زيارة وزير الخارجية الإيطالي تحمل العديد من الرسائل إلى كافة أطراف النزاع الليبي، إلى جانب دعم المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني.

وقال: «إن إيطاليا تعتبر الشريك الاقتصادي الأول لليبيا وقد تضررت مصالحها كثيرًا بسبب النزاع الليبي، خاصة المصافي الإيطالية التي تعتمد على خام النفط الليبي».المخاوف من «داعش»

ويؤكد المختصون في العلاقات الليبية - الإيطالية أن مصالح إيطاليا الاقتصادية الحيوية، خاصة في مجالات النفط والغاز والخدمات، تضررت كثيرًا في ليبيا وبات الأمن الإيطالي في دائرة الخطر المباشر خاصة بعد التهديدات التي أطلقها تنظيم «داعش»، الذي يسيطر على نحو 200 كلم من ساحل المتوسط الليبي على مستوى مدينة سرت إلى غاية تخوم مدينة بن جواد شرقا، ضد إيطاليا تحديدًا.

وكان التنظيم الإرهابي الذي يحتل سرت منذ عدة أشهر بث تسجيلاً مصورًا في فبراير 2015 عن ذبح 21 مصريًا لوح من خلاله أنه قرب «جنوب إيطاليا على المتوسط وسيقوم بفتح روما»، مما أثار موجة من الفزع في صفوف الإيطاليين وأربك الحكومة الإيطالية، إذ سارع الوزير جنتيليوني إلى الإعلان عن أن «بلاده مستعدة لقيادة حملة عسكرية ضد هذا التنظيم في ليبيا في إطار الشرعية الدولية».

وتؤمن ليبيا 35% من احتياجات إيطاليا من النفط (نحو 550 ألف برميل يوميا) و15% من احتياجاتها من الغاز. وتشمل شبكة المصالح التجارية الإيطالية في ليبيا كافة القطاعات ومنها خاصة المصارف والطرق والكهرباء وصناعة الشاحنات والجسور والسكك الحديدية والخدمات.

وترى إيطاليا وإن بدأت متحفظة كثيرًا في شأن الأزمة الليبية على المستوى الإعلامي، بحسب المراقبين، أن الحلول لأزمة الأمن في شمال المتوسط وأوروبا عموما تحتم علاج الأوضاع المتردية في الضفة الجنوبية وتحديدًا في ليبيا التي تتوفر على أطول شاطئ في «المتوسط».إيطاليا لا تريد الخسارة

ويعتقد الصادق عاشور المريمي (أستاذ رياضيات بإحدى المدارس الخاصة في حي الأندلس)، بأن إيطاليا مهتمة بمصالحها الاقتصادية في ليبيا ولا تريد خسارتها وهو أمر بديهي، كما أنها وهي الدولة الأوروبية الأقرب إلى شواطئ طرابلس لا يمكنها القبول بأي تواجد لـ«الدواعش» في خاصرتها على بعد بضع ساعات فقط بزورق سريع من شواطئها، علاوةً على كتل المهاجرين غير الشرعيين المتجمعين في ليبيا بمئات الآلاف بحسب عديد المصادر، وعيونهم على الضفة الإيطالية لـ«المتوسط». من جهته لم يتردد سليمان مصطفى الراجحي ( 42 عامًا - مهندس معماري) خلال هذا الحديث الصباحي في التأكيد على أن المجلس الرئاسي لا يستطيع في هذه المرحلة المساس بالملفات «الساخنة» المتمثلة في مستقبل الميليشيات المسلحة والشيخ الصادق الغرياني، التي تعتبر بحسب رأيه قنابل موقوتة قد تنسف كل الجهود التي بذلت حتى الآن للوصول إلى «هذا التصور لحل الأزمة الليبية» من خلال حوار الصخيرات.

غير أن سالم الهادي بن رمضان (45 عاما أستاذ لغة إنجليزية)، لم يشاطره الرأي، وشدد على أن المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق المنتظرة لن تنجح مطلقًا ما لم تواجه بكل حزم انتشار السلاح ومسألة الميليشيات.

وأضاف أن مصير حكومة الوفاق لن يختلف عن مصير الحكومات السابقة، في إشارة على ما يبدو إلى حكومتي الكيب وزيدان ما لم يتم تفكيك الميليشيات المسلحة وإعادة بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الأخرى. وقال: «أعتقد أنه لا مفر من مواجهة الميليشيات التي ترفض الانخراط في مشروع بناء الدولة والمؤسسات مهما كان الثمن».

وتدخل كثير من زبائن المقهى في هذا الحديث الصباحي المعتاد ليشددوا على أن قرار المجلس الرئاسي بصرف راتب شهر مارس 2016 لن يغير في حال الليبيين شيئًا. وأكد كثير من الأصوات أن المرتبات كانت منتظمة خلال الحكومات السابقة والأسعار عادية، ولكن البلاد لم تكن تسير في الاتجاه الصحيح وانزلقت إلى الفوضى ما يؤشر على أن المشكل يكمن أولا وأخيرا في معالجة الملف الأمني وإعادة الأمن والاستقرار إلى مختلف المدن والقرى الليبية وتفكيك أي سلاح خارج عن القانون ومحاربة العصابات الإجرامية.

وعند احتدام النقاش وتداخل الأصوات جاء صوت أحد زبائن المقهى ليعيد القليل من الهدوء قائلاً: «ألا يجدر بنا أن نناقش ثلاثية رونالدو الجميلة التي أطاحت بأحلام الفريق الألماني، وماذا سيفعل البارسا مساء اليوم في مسابقة كأس أبطال أوروبا». لقيت دعوته تأييد رواد المقهى غير أن النقاش الكروي كان أشد سخونة من النقاش السياسي.
للاطلاع على العدد الحادي والعشرين من جريدة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf )