عبد الباسط غويلة.. من «داعش» إلى تشي جيفارا

يسعى كثير ممن تورطوا في «فجر ليبيا» إلى القفز من السفينة الغارقة بعدة أساليب، فرئيس حكومة الإنقاذ، خليفة الغويل، ووزير خارجيته، علي أبو زعكوك، يعرقلان دخول حكومة الوفاق الوطني طرابلس، ويشترطان إعفاء كل مَن ساهم في «فجر ليبيا» من أي عقوبات، بينما لم يجد صلاح بادي هدفًا يصوب إليه سلاحه بعد تدميره مطار طرابلس، فوجه فوهات بنادقه ومدافعه صوب السماء.

أما إمام «أوتاوا» السابق، عبد الباسط غويلة، المساعد المقرب من الصادق الغرياني فشعر بالفزع، فالتفت إلى كندا، حيث استقر ومعه عائلته كلاجئ عدة سنوات، لعله يعود إلى نفس المسجد بالعاصمة الكندية، حيث كان يدعو إلى التسامح والسلام في خطب الجمعة، وأجرى لقاء مرئيًّا حاول من خلاله أن يظهر نفس الوجه الذي ظهر به في كندا، ويلغي الوجه الذي ظهر به في طرابلس، بعد أن تناولت وسائل الإعلام الكندية تحريضه على «الجهاد» في بنغازي، مما جعل السلطات الكندية تحقق في تسجيل مرئي يظهر فيه غويلة وهو يحرض على القتال في بنغازي.

في هذا اللقاء ادعى غويلة أنه كان يحرض على قتال فلول القذافي، وما تبقى من اللواء معزز 32 وكتيبة إمحمد، وأنه شارك في ثورة 17 فبراير لينقل العلم وكل ما هو جيد من الغرب إلى ليبيا، وأنكر مسؤوليته عن مقتل ابنه أويس في معارك بنغازي، وأخيرًا نسي الصادق الغرياني وفتاواه، وقال إنه يفعل ما فعله المناضل الأرجنتيني تشي جيفارا، متناسيًّا أن جيفارا شيوعي ملحد شارك في ثورة كوبا مع فيدل كاسترو، ثم قُتل في أدغال بوليفيا العام 1967.

كان عبد الباسط غويلة إمامًا نموذجيًّا وفقًا للمعايير الكندية. يلقي خطبًا تدعو للسلام والتسامح بين الأعراق والأديان في بلاد معظم سكانها من المهاجرين، ويضمن دستورها الحق في الاعتقاد وممارسة العبادة، ولكنه كشف وجهه الحقيقي عندما وصل إلى طرابلس في أعقاب ثورة فبراير، فتقرب من الصادق الغرياني الذي مكَّنه من الإمامة في جامع «مولاي محمد»، قبل أن ينشط إعلاميًّا في قناة «التناصح»، حيث كان يستضيف الصادق الغرياني ليرد على أسئلة المشاهدين.

في يوم الصمت الانتخابي قبل خروج الناخبين لانتخاب أعضاء المؤتمر الوطني العام، سرق غويلة المنبر في جامع مولاي محمد، وحول خطبة الجمعة إلى تحريض على تحالف القوى الوطنية، وطلب من المصلين عدم التصويت للتحالف لأن أعضاءه ليبراليون كفرة، وفي نفس اليوم أرسل الصادق الغرياني عشرات الآلاف من الرسائل الهاتفية يطلب من الناخبين عدم التصويت لتحالف القوى الوطنية، في انتهاك صريح لقانون الصمت الانتخابي.

لم يترك المصلون غويلة يصول ويجول وإنما أنزلوه من على المنبر وطردوه من المسجد، وتكرر ذلك في مسجد آخر وهرب غويلة بأعجوبة من المصلين.

إلى أين سيهرب غويلة بعد أن فقد كل شيء. ابنه أويس الذي لم يتجاوز العشرين من عمره الذي أرسله إلى حتفه. لم يبق له إلا بلده الثاني الذي منحه الجنسية، وهو يعلم أنه سيحاكم في كندا إذا عاد إليها، وستنزع عنه الجنسية وجواز السفر، وسيمنع حتمًا من الإمامة في المساجد، وسيكون السجن الكندي أرحم بآلاف المرات من السجن الليبي. لم يبق لرجل خسر كل شيء إلا معجزة في وقت أصبحت فيه المعجزات نادرة.