رئيس أعلى هيئة استشارية رئاسية بالجزائر: التدخل الأجنبي يهدر فرص المصالحة الليبية

استبعد المستشار في الرئاسة الجزائرية لحقوق الإنسان، فاروق قسنطيني، حدوث مصالحة «ليبية - ليبية» أسوة بالنموذج الجزائري الذي حقن الدماء في البلاد بعد سنوات من الفوضى، مشيرًا إلى أن وجود أطراف أجنبية في الأزمة الليبية أحد أسباب استبعاد نجاح فكرة المصالحة الوطنية، ولفت إلى أن التجربة الجزائرية استثنائية، كون الأطراف المتدخلة لرأب الصدع وطنية خالصة وليست أجنبية.

وأضاف قسنطيني رئيس أعلى هيئة استشارية رئاسية مكلفة بحقوق الإنسان في الجزائر: «اللجنة الوطنية لترقية وحماية حقوق الإنسان» في حوار مع جريدة «الوسط» نُشر بعددها 8، أن الوقت لا يزال يسمح بتلك المصالحة، لكن قد يستغرق الأمر وقتًا أطول، خاصة أن بعض الدول تمكنت من تحقيق الوئام بعد 15 سنة أو أكثر من السقوط في دائرة الفوضى والدم.

ما دامت الأطراف الأجنبية موجودة في الميدان لا يمكن أن تتجسد مصالحة «ليبية - ليبية»

وتابع المسؤول الجزائري الذي كان واحدًا من رعاة تطبيق ميثاق السلم والمصالحة واستقبل مئات ممن يعرفون بـ«التائبين» أن تجربة بلاده استثنائية بشهادة شخصيات دولية.. وإلى نص الحوار:

هل ترى إمكانية تطبيق نموذج المصالحة الجزائرية في ليبيا بعد طلب الليبيين ذلك؟
الظروف بعيدة عن التطلعات في هذا البلد الجار، فلربما نمدهم بأفكار وإرشادات، لكن ما دامت الأطراف الأجنبية موجودة في الميدان لا يمكن أن تتجسد مصالحة «ليبية - ليبية». المعادلة ستتغير لو وضع الليبيون الروح الوطنية على كفة اقتداء بالجزائريين في أواخر التسعينات من العشرية السوداء التي مرت بها البلاد، ونجحت من دون التدخل الخارجي من الغير في رأب الصدع.

لكني لا أظن أن تقوم ليبيا بالعملية نفسها للأسف الشديد، التدخلات الأجنبية كبيرة هناك.

كيف ترى معادلتي الطرف الأجنبي والوقت؟
أولاً، الثابت بالنسبة للجزائر في تجربة المصالحة الوطنية أنها كانت استثنائية بشهادة شخصيات دولية التقيتها، وبالنظر إلى عدد من الدول التي خاضت التجربة ونجحت في حقن الدماء وإنهاء الحرب الداخلية فقد كانت مصالحة جزائرية - جزائرية.

الثابت بالنسبة للجزائر في تجربة المصالحة الوطنية أنها كانت استثنائية بشهادة شخصيات دولية التقيتها

ثانيًا، الذي يمكن أن يتنبه إليه الليبيون في نجاح سياسة العفو عن الإرهابيين هي الفترة الزمنية القصيرة، إذ يوجد من الدول من استغرق الأمر لديه عشر سنوات أو خمس عشرة سنة، حتى تمكنت من تجسيد المصالحة، بينما في الجزائر أخذ الأمر فترة قصيرة جدًا ونجحت وكانت لها فاعليتها.وهل تراجع من يحملون السلاح عن موقفهم؟
خلال مرحلة واحدة تخلى أكثر من 6 آلاف «إرهابي» عن العمل المسلح، ونزلوا من الجبال التي كانوا يقودون منها نشاطهم الإرهابي وانخرطوا في العملية السياسية. وقد التقيت وفودًا أوروبية وأميركية وأفريقية أبدت تعجبها من حدوث ذلك وإعادة دمج التائبين في المجتمع خلال مدة قصيرة. وتاريخيًا لا توجد مصالحة نجحت في ظرف وجيز إلا في الجزائر.

وما مدى نجاح تلك التجربة؟
العناصر التي كانت تقاتل ضد أجهزة الدولة في العام 94 كان عددهم نحو 27 ألفًا، تم القضاء على 17 ألفًا منهم في الأحراش والغابات، أما البقية فسلموا أنفسهم في سياق سياسة الوئام المدني التي أطلقها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة. لهذا أعتبر التجربة فريدة من نوعها وفريدة في الفاعلية، فقد حققت 95% من أهدافها، ووافق عليها 85%.

الجزائر ترفض التدخل في ليبيا والدستور الجزائري يمنع التدخل من خارج الحدود

هل حدث ما يعكر صفو المصالحة؟
شاب ميثاق المصالحة بعض الاختلالات، مما يستوجب فتح ورشة نقاش جديدة كحل أمثل لمعالجتها قريبًا، خصوصًا وأن الدستور الجزائري الجديد الصادر بالجريدة الرسمية شهر فبراير الماضي تطرق في ديباجته لأول مرة إلى قضية المصالحة الوطنية، بتأكيده أن الشعب الجزائري واجه مأساة وطنية حقيقية عرضت بقاء الوطن للخطر. علمًا بأن المصالحة قطعت أشواطًا عدة اعتبارًا من تاريخ إقرارها العام 2005 بموجب بعض التدابير.

وماذا عن جدوى المصالحة في الحالة الليبية؟
بخصوص الوضع في ليبيا، أنتقد التدخلات الغربية وما قامت به فرنسا منذ 2011، وهو ما عمق الأزمة والفوضى في ليبيا، لذلك الجزائر ترفض التدخل في البلاد، والدستور الجزائري يمنع التدخل من خارج الحدود. ومستعدون لمساعدة الليبيين بجمعهم على طاولة الحوار، أو مواجهتهم من مختلف التيارات وجهًا لوجه. فالمصالحة الحقيقية تكون من داخل الوطن وليس من خارجه.

وماذا عن العقوبات الجزائرية ضد الإرهابيين العائدين من سورية والعراق وليبيا؟
تطور ظاهرة الإرهاب وتجاوزها للجغرافيا السياسية، يعد مبررًا كافيًا لإعادة صياغة التشريعات القانونية بما يتيح لرجال القانون التعاطي مع المستجدات بواقعية.

الأمور تغيرت حاليًا وتستدعي تحضير تدابير قانونية جزائرية، تمكن القضاة من متابعة كل القضايا المتعلقة بمكافحة الإرهاب، بعد كانت تتم بنصوص قديمة موجودة في قانون العقوبات.
للاطلاع على العدد الثامن عشر من جريدة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة  PDF)

المزيد من بوابة الوسط