ليبيا تحت طائلة تداعيات تفجيرات بروكسل

فيما توجهت أنظار العالم إلى عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسل حيث ضرب داعش مجددًا، ينتظر ليبيون كثر، وفي مقدمتهم سكان العاصمة طرابلس، حلول المجلس الرئاسي بمدينتهم، تمهيدًا لفتح الطريق أمام حكومة الوفاق لمباشرة مهامها من مدينة طرابلس، وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي الذي وقّع عليه أطراف الحوار في ضاحية الصخيرات المغربية ديسمبر الماضي.

بينما لم تتوقف الأسئلة حول ما إذا كانت حكومة الوفاق تستطيع العمل من العاصمة في ظل الجدل القائم حول شرعيتها دون منحها الثقة من مجلس النواب، كما ينص أيضًا الاتفاق السياسي، بعد فشل المجلس في عقد جلسة بهذا الشأن لانعدام اكتمال النصاب القانوني لحضور أعضائه، ولم يتبين بعد ما إذا كان هناك اتجاه لاعتماد موافقة حوالي 100 عضو على الحكومة عبر قائمة توقيعات، لا زالت تثير بدورها جدلاً قانونيًا وسياسيًا، وذهبت بعض الاحتمالات إلى أن يصار إلى اجتماع لهؤلاء النواب المئة في العاصمة طرابلس، ومن ثم التصويت على منح الثقة لحكومة الوفاق.

إلى ذلك فإن الترتيبات الأمنية التي يفترض أن تكون قد أعدت خطة لها لتأمين العاصمة وتمكين الحكومة من مباشرة مهامها، لم تتضح بعد، ولا زالت تثير الشكوك حول ما إذا كانت هذه الترتيبات قادرة على تأمين العاصمة وسط عشرات المجموعات المسلحة التي تنتشر في المدينة، وتسيطر على عديد المقار العسكرية، وتعبر عن نفسها من خلال الاشتباكات التي تقع بين حين وآخر وفي قلب العاصمة في أحيان كثيرة.

وأكد رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، فائز السراج، في كلمته أمام اجتماع دول جوار ليبيا في تونس، الثلاثاء، الانتهاء من الترتيبات الأمنية قريبًا تمهيدًا لدخول حكومته إلى العاصمة طرابلس، دون أن يكشف عن طبيعة هذه الترتيبات، وهل سيعتمد على قوات محلية مؤيدة للاتفاق السياسي وحكومة الوفاق، أم أنه سيستعين أيضًا بقوات أجنبية أو على الأقل على مستوى خبراء.

«داعش» يفرض أجندته على أوروبا

في هذه الأثناء جاءت تفجيرات بروكسل لتخطف اهتمام الدول الغربية المؤثرة في الشأن الليبي، وتعيد تنظيم «داعش»، العنوان الحالي للإرهاب، إلى صدارة أوليات هذه الدول بعد أن ظل هذا العنوان يتناوب الأهمية مع قضية الهجرة غير الشرعية، وطرحت تفجيرات بروكسل أسئلة ملحة لأن الإجابة عنها ستطال الوضع الليبي، منها على سيبيل المثال: هل سيعيد الأوروبيون تقييمهم لخطر «داعش» الحقيقي الذي يتمركز الآن في الضفة المقابلة لهم من البحر المتوسط؟ وهل سيفكرون في التعجيل بضربة ولو محدودة للتنظيم في ليبيا امتصاصًا لغضب الرأي العام الأوروبي الذي ربما يتهم حكومات أوروبا بعدم تقدير خطر الإرهاب الذي يمثله «داعش» على بلدانهم، وتساهلها في التعامل مع هذا «العدو»؟ من ناحية ومن ناحية أخرى التعبير عن نية تلك الحكومات في وضع حد للإرهاب العابر للحدود، بملاحقة أماكن تمركزاته، وأقربها إليهم الآن، تنظيم «داعش» في ليبيا.

بمعنى آخر: هل سنرى أن «داعش» هو الذي سيفرض أجندته على أوروبا، بعد أن أثبت أنه قادر على الضرب في عقر دارها، بل في عاصمة اتحادها مقر الحلف الأطلسي؟

والسؤال الذي يهم الليبيين أيضًا هو: فيما لو قرر الأوروبيون القيام بعمل عسكري ما في ليبيا ردًا على تفجيرات بروكسل، ما مدى محدودية هذا العمل، وماذا يمكن أن يغير على الأرض، وهل سيكون من التأثير بحيث يمكن أن يغير من ترتيب المشهد الليبي، أم أن الأوروبيين سينتظرون مباشرة حكومة الوفاق لمهامها، ليتحصلوا منها على تفويض للقيام بعمل أكبر، وفي هذه الحالة سيضطرون للضغط على هذه الحكومة وعلى بقية الأطراف من أجل التعجيل بوجود الحكومة في طرابلس، ومن ثم مباشرة مهامها، هذا التوجه أيضًا قد تكون له ردات فعل داخل العاصمة نفسها، في ظل عدم وضوح الخطة الأمنية التي أوكلت مهمة وضعها للجنة الأمنية التي شكلها المجلس الرئاسي لإنجاز الترتيبات الأمنية الكفيلة بتأمين العاصمة.

في الوقت الذي حظيت فيه حكومة الوفاق بدعم إقليميي ودولي، لا يزال الانقسام يسود المشهد الداخلي، فرئيس المؤتمر الوطني العام نوري أبوسهمين ظهر في تسجيل مرئي، يوم الثلاثاء، ينفي فيه خبرًا تداولته مواقع التواصل الاجتماعي الليبية حول هروبه من العاصمة، ويؤكد أنه لا يزال يمارس عمله من مقره الرسمي، بينما جدد رئيس «حكومة الإنقاذ» خليفة الغويل رفضه الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني، معتبرًا أن حكومته شرعية وأنها تستمد شرعيتها من المؤتمر الوطني «الممثل الشرعي لليبيين» حسب تصريحات بثتها قناة النبأ من طرابلس، ووجه فيها انتقادات حادة إلى المبعوث الأممي مارتن كوبلر، متهمًا إياه بأنه «هدد الشعب الليبي بالفوضى والانهيار الاقتصادي، وعمق الجراح الليبية».

المزيد من بوابة الوسط