«فاينانشيال تايمز»: هجوم «داعش» على حقول النفط يهدف إلى تعطيل حكومة الوفاق

اعتبرت جريدة «فاينانشيال تايمز» البريطانية تركيز تنظيم «داعش» على مهاجمة المنشآت والموانئ النفطية الليبية في الفترة الأخيرة نقلة جديدة في الصراع المستمر منذ أكثر من عامين، وتحويلاً لتركيز التنظيم من إثارة الفتن المحلية إلى أهداف إقليمية أوسع.

ورأت الجريدة في تقريرها أمس الأحد أن الهدف الرئيس من هجمات التنظيم هو تقويض قدرة حكومة الوفاق الوطني على استخدام عائدات النفط في إعادة بناء الدولة وبالتالي إفقادها القدرة على العمل.

ويستطيع تنظيم «داعش» استخدام الحقول النفطية القريبة من مواقعه كأداة لتعطيل مفاوضات تشكيل حكومة الوفاق في أي وقت، فتعطيل الإنتاج النفطي وإيقاف العمل بالموانئ والمنشآت يؤثر بشكل كبير على استقرار الدولة، وفق ما أكده دبلوماسي أوروبي نقلت عنه الجريدة.

ورأت الجريدة أن حملة «داعش» ضد إقليم الهلال النفطي، المسؤول عن 80% من الإنتاج النفطي، دليل على ثقله العسكري والتكتيكي، فنمو «داعش» جاء أسرع من المتوقع، ولا توجد حتى الآن قوة قادرة على محاربته والقضاء عليه نهائيًا. ورغم طرد التنظيم من مدينة مثل درنة، إلا أنه تمكن من البقاء وشن هجمات.

واعتبرت الجريدة البريطانية المنشآت النفطية في ليبيا هي «شريان الحياة» للفصائل الرئيسة المتنافسة في ليبيا، خاصة الأطراف في طبرق وطرابلس.

القوى الغربية تمتلك خيارات محدودة لصد تقدم «داعش»، تقتصر على تنفيذ ضربات جوية ضد مواقعه بليبيا.

ونقلت عن الناطق باسم حرس المنشآت الوطنية، علي الحاسي، إن «تنظيم (داعش) يملك معظم الأسلحة التي يملكها الجيش الليبي وأكثر تطورًا من سيارات وصواريخ وبنادق متطورة»، متوقعًا أن يشن التنظيم هجمات جديدة ضد المنشآت النفطية.

وكان تنظيم «داعش» شن هجمات، هي الأكثر دموية، ضد ميناءي السدرة ورأس لانوف يناير الماضي، متسببين في دمار سبعة خزانات نفطية يضم كل منها 400 ألف برميل نفط، ثم هاجموا ميناء زويتينة النفطي في الشرق.

وقالت الجريدة إن القوى الغربية تملك خيارات محدودة لصد تقدم «داعش» في ليبيا. وقالت الباحثة في مجموعة الأزمات الدولية، كلوديا غازيني، إن أي عمليات عسكرية داخل ليبيا ستؤدي لمزيد من المشاكل خاصة إذا كانت متحيزة لطرف معين من أطراف الصراع.

وحتى الآن، لا تملك القوى الغربية سوى تنفيذ ضربات جوية محدودة ضد مواقع التنظيم، والاستمرار في الضغط على الفصائل المختلفة للتركيز على محاربة «داعش»، وفقًا للجريدة.

ومن جانبها حذرت الباحثة في معهد دراسات الحرب، هارلين غامبير، من زيادة وتطور قدرات «داعش» العسكرية، مشيرة إلى أنه يستطيع تكثيف الهجمات ضد المنشآت النفطية والتنظيمات الأخرى لنشر العنف، وتنفيذ سلسلة من الاغتيالات بحق رموز سياسية، أو تمديد الصراع إلى دول مجاورة خاصة تونس والجزائر.
تخطيط جيد
قالت الجريدة إن نمو «داعش» السريع في ليبيا «جاء نتيجة تخطيط جيد واستراتيجية تعتمد على البقاء والتوسع»، لكنه جاء في بعض الأحيان «انتهازيًا»، حيث استغلت فصائل محلية اسم التنظيم للحصول على تأييد.

ووفقًا لاثنين من مسؤولي أجهزة مخابرات غربية، لم تذكر الجريدة أسماءهم، أعدت القيادات العليا لتنظيم «داعش» في سورية والعراق العام 2014 خطة للانتقال إلى ليبيا وتأمين مراكز بها، ولتنفيذ ذلك عاد 300 من المقاتلين الليبيين من سورية والعراق إلى ليبيا مرة أخرى بقيادة العراقي أبو نبيل الأنباري، محملين بملايين الدولارات لبناء تحالفات والتجهيز لعمليات داخل ليبيا.

واختار التنظيم مدينة سرت لأنها أكثر الأراضي «جاهزية» لإنشاء معقل له، وذلك لأنها تطل على 600 كلم من السواحل الليبية، واعتمد على «جذب مقاتلين من القبائل الموالية للقذافي»، وفقًا لما ذكرته الجريدة.

الحاسي:تنظيم (داعش) يملك معظم الأسلحة التي يملكها الجيش الليبي وأكثر تطورا من سيارات وصواريخ وبنادق متطورة

وقال دبلوماسي إيطالي، لم تذكر الجريدة اسمه، إن «التنظيم يبحث عن نقاط الضعف في ليبيا ويسيطر عليها، ونجح في زيادة قدراته، فلا توجد حدود لمقدار الأسلحة التي يستطيع الحصول عليها، ولا حدود للقوة البشرية التي يستطيع جذبها من دول شمال أفريقيا». وكانت وزارة الدفاع الأميركية قدرت أعداد المقاتلين التابعين لـ«داعش» بنحو 6500 مقاتل.

وطبق التنظيم داخل ليبيا الاستراتيجية نفسها التي اتبعها داخل سورية والعراق، من عمليات سرية، الاعتماد على الدعاية، هجمات دموية ضد المعارضة، استمالة القبائل المحلية، إلى جانب استغلال الفوضى الأمنية.

ورأى محلل سابق لدى وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي إيه» باتريك سكينر أن «هدف (داعش) الأول هو أن يصبح القوة الإسلامية الوحيدة داخل ليبيا بإنهاء أي دعم لتنظيم (القاعدة) مستفيدًا من الدعاية الدولية لجذب أكبر عدد من المقاتلين».

وقالت «فاينانشيال تايمز» إنه «باستخدام الدعاية العالمية التي تبرز وحشيته، نجح التنظيم في جذب مئات المقاتلين داخل ليبيا، سواء مقاتلين جدد أو مقاتلين تابعين لتنظيمات أخرى مثل (أنصار الشريعة). فذبح 21 مصريًا في سرت العام 2015 كانت إعلانًا قويًا عن وصول (داعش) إلى ليبيا».

ويتوقف نجاح «داعش» على تقوية وجوده داخل ليبيا على قدرته على استقطاب المقاتلين من التنظيمات الأخرى وجذب مقاتلين من دول الإقليم والحصول على تأييد «الشخصيات الجهادية الرائدة»، وفقًا للجريدة.
التوجه نحو سرت
قالت «فاينانشيال تايمز» إن مدينة سرت تتحول بشكل سريع إلى معقل للتنظيم ينافس الموصل في العراق أو الرقة في سورية. ونقلت عن مسؤولين في أجهزة مخابرات غربية إن «داعش» يجهز ليبيا لتكون المركز الجديد لعملياته، في حال سقطت مدينة الرقة أو الموصل.

ونقلت الجريدة عن قائد أحد التشكيلات المسلحة السورية، قاتل مع «داعش» لمدة عام قبل أن يهرب، إن «الحملات العسكرية ضد التنظيم في سورية والعراق تدفع المقاتلين إلى ليبيا. فالمقاتلون والمدنيون في المناطق تحت سيطرة التنظيم يشعرون أن الأمور ستنتقل إلى ليبيا خاصة عقب زيادة الضربات الجوية والخسائر التي مني بها في سورية والعراق».

وأشارت الجريدة إلى معلومات استخباراتية تفيد بانتقال عشرات من قيادات «داعش» وعائلاتهم من الموصل إلى ليبيا خلال الأشهر الماضية.

أكثر من 300 مقاتل ليبي عاد من سورية والعراق محملا بملايين الدولارات لبناء تحالفات والتجهيز لعمليات داخل ليبيا.

ونقلت الجريدة عن جوناثان إيال، الباحث في المعهد الملكي للخدمات في المملكة المتحدة إن «الفوضى في ليبيا قد تصيب الدول المجاورة مثل تونس والجزائر ومالي والنيجر، فـ(داعش) في ليبيا يمكنه إشعال منطقة شمال أفريقيا بأكملها».

وذكرت الجريدة أن السؤال الأصعب الذي يواجه الدبلوماسيين في الغرب هو إلى أي مدى يستطيع «داعش» أن يتوسع داخل ليبيا، وما هي الاستراتيجية المناسبة لصد تقدمه.

ورغم الهجمات التي شنها التنظيم، قالت الجريدة إنه ما زال يفتقر الطائفية التي اعتمد عليها في سورية والعراق، إلى جانب محدودية موارده في ليبيا، من حيث الموارد المالية والبشرية مقارنة بغيره من أطراف النزاع الرئيسة.

ووصفت الجريدة الصراع داخل ليبيا بـ«صراع دامٍ على السلطة والنفوذ بين عدد غير محدود من التشكيلات المسلحة وسماسرة السلطة وأمراء الحرب، إلى جانب الحكومة الموقتة وما يعرف باسم (حكومة الإنقاذ) في طرابلس». واستغل «داعش» هذا الصراع لإنشاء معقل له والسيطرة على 200 كلم من السواحل الليبية حول سرت.

المزيد من بوابة الوسط