حكومة الوفاق في الطريق إلى العاصمة

بعد فشل مجلس النواب مرة أخرى في عقد جلسة مكتملة النصاب بشأن منح الثقة لحكومة الوفاق المنقحة، يجد المجلس الرئاسي نفسه في مفترق الطرق أمام خيارين أحلاهما قد يكون مرًا، إما أن يذهب بحكومته إلى العاصمة مباشرة حيث تبدأ مباشرة مهامها وفق ما نص عليه الاتفاق السياسي، وإما أن تحط في طبرق أولاً لتمنح رخصة العبور إلى العاصمة.

صحيفة «الوسط» في عددها السابع عشر، الصادر اليوم الخميس، ناقشت الخيارات المحتملة في هذا الشأن؛ فمن ناحية حصلت حكومة الوفاق على دعم قوي من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بعد أن رحبت لجنة الحوار الوطني بتوقيع 100 نائب لمنح الحكومة الثقة، على خلفية عجز مجلس النواب عن عقد جلسة للتصويت على منح الثقة.

دعوات ومراهنة
ومن ناحية أخرى هناك دعوات بضرورة الرجوع إلى مجلس النواب، باعتباره صاحب الاختصاص، حفاظًا على العملية السياسية وفقًا للاتفاق السياسي، كما عبر عن ذلك بيان تحالف القوى الوطنية، وقبلها تصريحات رئيس مجلس النواب عقيلة صالح لـ«راديو سوا» التي طلب خلالها من رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج عدم مباشرة الحكومة مهامها قبل إجراء التعديل على الإعلان الدستوري والتصويت على الحكومة. وهناك من يراهن على حسم الجيش معركته في بنغازي لإعلان المجلس العسكري كخيار آخر على الرغم من عدم طرحه بشكل رسمي، إلا أن ثمة أصوات تدعو إليه، إلا أن حماس أصحاب الخيار الأخير يظل رهينًا بحركة تقدم الجيش نحو الحسم. وعلى الأرض لم تمهد الطريق بعد لوصول الحكومة إلى العاصمة طرابلس، في غياب ترتيبات أمنية واضحة.

في كل الأحوال فإن حكومة الوفاق ستحتاج إلى دعم دولي يؤمنها في العاصمة، خاصة أن ليس كل المجموعات العسكرية المتمركزة في طرابلس ترحب بدخول الحكومة إلى العاصمة، الأمر الذي سيعيد إلى الأذهان سيناريو تأمين الحكومة العراقية في بغداد بعد العام 2003، عندما استحدثت القوات الأميركية المنطقة الخضراء، ولا يبدو أن المجتمع الدولي سينتظر طويلاً بعد أن تمدد تنظيم «داعش» إلى مناطق عدة في البلاد، بينها مواقع قريبة من الحقول النفطية، كما أن الأصوات الرافضة للتدخل العسكري الدولي في ليبيا بدأت تخفت بعد هجوم داعش على مدينة بن قردان التونسية. وفي كل الأحوال أصبح الفرقاء الليبيون لا يملكون الكثير من الأوراق، التي بدا أغلبها بيد القوى الدولية والإقليمية.

اجتماعات مكثفة للمضي قدمًا
وكانت الأيام الأخيرة قد شهدت اجتماعات مكثفة لبحث مصير حكومة الوفاق الوطني التي قدمها المجلس الرئاسي إلى مجلس النواب لنيل الثقة، مع استمرار الخلافات وغياب التوافق بين أطراف الأزمة ومواقفها من الحكومة الجديدة، وهي مواقف تشير إلى تعثر تنفيذ الاتفاق السياسي الموقع بالصخيرات المغربية في 17 ديسمبر 2015 بين أطراف الحوار الليبي.

وفي محاولة للمضي قدمًا نحو تنفيذ الاتفاق، اجتمع المبعوث الأممي مارتن كوبلر مع أطراف الحوار في تونس، لبحث الخطوات الفعلية في هذا الاتجاه؛ حيث دعا المشاركون في بيان لهم، عقب الاجتماع الذي عقدوه الخميس 10 مارس بتونس، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للعمل من العاصمة طرابلس، كما طالبوا المؤسسات المالية الرسمية بوضع الترتيبات اللازمة لـ«تسليم فوري ومنظم وسلمي للسلطة تماشيًا مع أحكام الاتفاق السياسي الليبي»، قبل أن تجتمع الأطراف في اليوم التالي مع المجلس الرئاسي، لكنهم أكدوا أن منح الثقة لحكومة الوفاق الوطني هو اختصاص أصيل لمجلس النواب، مثمنين في الوقت نفسه البيان الصادر عن أغلبية أعضاء مجلس النواب في 23 فبراير الماضي الذي أعربوا فيه عن موافقتهم لتشكيلة حكومة الوفاق الوطني.

نواب يردون على الرئاسي
وشجع بيان أطراف الحوار بدوره المجلس الرئاسي على دعوة جميع المؤسسات السيادية والجهات العامة في الدولة الليبية، وعلى رأسها المؤسسات المالية الرسمية، للبدء في التواصل فورًا مع حكومة الوفاق الوطني؛ وذلك لوضع الترتيبات اللازمة لتسليم السلطة، معتبرًا في بيان له مساء السبت أن الدعم اللامحدود من أغلبية أعضاء مجلس النواب، وكذلك المجلس الأعلى للدولة وأعضاء الحوار السياسي والنخب الوطنية والثقافية هو بمثابة الضوء الأخضر لبدء عمل حكومة الوفاق الوطني واضطلاعها بالمهام الجسام التي شكلت لأجلها. وهو ما اعتقده البعض أن المجلس الرئاسي بدأ يمضي قدمًا قبل إتمام الإجراءات الرسمية ومنحه الثقة تحت قبة البرلمان المتعثر, حتى إن مصادر أبلغت الوسط بأنها لا تستبعد أن ترى حكومة الوفاق في العاصمة خلال أيام.

ولم ينتظر عدد من أعضاء الحوار ومن النواب كثيرًا للرد على ما اعتبروه «استخدامًا سيئًا» من قبل المجلس الرئاسي لبيان الحوار، وأعلنوا رفضهم لدعوة المجلس الرئاسي مؤسسات الدولة للتواصل معه، واصفين البيان بأنه «محاولة للقفز على استحقاقات أساسية واردة في الاتفاق السياسي»، مما يعد تراجعًا سريعًا عن حالة الوئام التي جمعتهم مع المجلس الرئاسي قبل ساعات، في إشارة إلى ضرورة مرور حكومة الوفاق من باب التصويت على منح الثقة داخل البرلمان.